ممارسات نقابية بمكناس تعرقل التنمية وتغيب المصلحة العامة

المستقل | فؤاد السعدي

في الآونة الأخيرة، شهدت مدينة مكناس تحركات مفاجئة من قِبل المكاتب المحلية للنظافة التابعة لشركة “مكومار”، حيث أصدرت الفيدرالية الديمقراطية للشغل، والاتحاد العام للشغالين بالمغرب، والكونفيدرالية الديمقراطية للشغل بيانات متفرقة وبخلفيات من غير الدفاع عن حقوق الشغيلة. ورغم أن هذه البيانات صدرت في فترات متفاوتة، إلا أنها اتفقت في مضمونها على المطالبة بالجلوس إلى طاولة الحوار مع إدارة الشركة.

ما يثير الاستغراب هو أن هذه النقابات، التي التزمت الصمت طوال فترة رئاسة باحجي للمجلس الجماعي،  تحت مبرر وجود حركية كانت محصورة داخل الدوائر الداخلية، عادت بشكل مفاجئ لإثارة الموضوع بعد أقل من شهرين من تولي عباس المغاري رئاسة المجلس. وهي التحركات التي تتزامن مع قرب انتهاء عقد التدبير المفوض بين الجماعة وشركة “مكومار”، مما يطرح تساؤلات حول الدوافع الحقيقية وراء هذا التوقيت، وما إن كان الهدف حقيقة هو إخبار الرأي العام بمطالب العمال أم غايات أخرى، لأن الأعراف في الممارسة النقابية أن تتضمن البيانات الموجة للرأي العام توضيحًا حول ما إذا كانت النقابات قد سلكت الطرق الرسمية للحصول على لقاء أو لم يتم الاستجابة لها، قبل الخروح بهذه الطريقة.

 لقد أظهرت تطورات الأحداث أن تحركات النقابات الأخير لم تكن سوى محاولة لتحقيق مصالح شخصية، خاصة بعد رفض مسؤولة الشركة الانصياع لبعض الإملاءات. ففي الوقت الذي كانت النقابات تتناغم بشكل كامل مع إدارة الشركة سابقًا، تحول هذا التناغم بشكل مفاجئ إلى احتجاجات ومطالب. هذا التحول السريع كشف عن “عقلية صبيانية” تهيمن على العمل النقابي بالمدينة، حيث أصبح التركيز منصبًا  أكثر على المكاسب الفردية بدلاً من القضايا العمالية الحقيقية.

اليوم، يبدو أن النقابات دخلت في سباق محموم للجلوس أولاً مع الرئيس ونائبه المسؤول عن قطاع التدبير المفوض، رغم أن الموضوع لا يتعلق بالجماعة بشكل مباشر. بل إن هذه التحركات تمثل محاولة من هذه النقابات للضغط على الشركة، وبالتالي لوي ذراع مسؤولتها وإرغامها على الاستجابة للإملاءات، غير أن رد مسؤولة الشركة بتغيبها عن اللقاءات كان بمثابة صفعة قوية لممثلي النقابات، كما يراه العارفون بقواعد العمل النقابي الجاد والمسؤول. لقد قدمت مسؤولة “مكومار” درسًا بليغًا في الممارسة النقابية، مؤكدة أن العمل النقابي يجب أن يركز على المصلحة العامة، لا المصالح الشخصية.

هذا “العبث النقابي”، كما وصفه العديد من المتتبعين، يندرج ضمن محاولات النقابات لتحقيق مصالح شخصية في وقت حرج، حيث تنتظر مدينة مكناس وسكانها تحرك عجلات التنمية، ففي حين كان من الأجدر أن تركز هذه النقابات على القضايا الجوهرية التي تهم المجتمع بصفة عامة والطبقة الشغيلة خاصة، نجدها تهدر الوقت والجهد في نقاشات هامشية حول مطالب يعلم الجميع أنه مقدور عليها ولا تستحق كل هذا البلبلة. هذه التحركات لا تعكس سوى السعي وراء المكاسب الفردية بدلاً من العمل الجاد لمصلحة المدينة وسكانها.

المثير للدهشة هو انسياق بعض النقابات، التي تدّعي الريادة في العمل النقابي الجاد، وراء توجهات الفيدرالية الديمقراطية للشغل، وكأنها “قطيع” بلا رؤية واضحة، فبينما كانت النقابات تركز على تحركات لا طائل منها، تُظهر الأحداث ضعف استراتيجياتها وكشف عجزها عن طرح حلول حقيقية تخدم مصالح الشغيلة. وبدلاً من أن تكون هذه النقابات أداة لتحقيق المصلحة العامة والعمل على قضايا جوهرية، نجدها تنخرط في صراعات داخلية بحثًا عن مصالح ذاتية، بعيدة كل البعد عن خدمة المدينة وسكانها.

ما يجري اليوم لا يعدو كونه زوبعة في فنجان، يهدف إلى إظهار النقابات بمظهر الفاعل الميداني، بينما الحقيقة أن المصلحة العامة بعيدة تمامًا عن حساباتها، على اعتبار أن النقابات التي تدّعي الدفاع عن حقوق العمال، وتحرص على تحسين أوضاعهم، يجب عليها أن تدرك أن العمل النقابي الحقيقي يتطلب النزاهة والجدية، والسعي لتحقيق الصالح العام، لا المصلحة الشخصية أو الفئوية. وإذا كانت النقابات حقًا ترغب في تقديم دروس في العمل النقابي، عليها أن تركز على القضايا الجوهرية التي تهم الشغيلة والمجتمع ككل، وتبتعد عن المناورات التي لا تخدم سوى مصالح فردية. ويبقى السؤال المطروح مع كل هذا “الضجيج النقابي”، إلى متى سيستمر هذا النوع من الممارسات النقابية التي تُعيق عجلة التنمية وتضيع الفرص على المدينة وساكنتها؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *