رئاسة النيابة العامة تلغي 74 ألف برقية بحث وتنتصر لترشيد الاعتقال الاحتياطي

أقدمت رئاسة النيابة العامة على خطوة حقوقية وقضائية بارزة بإلغاء أكثر من 74 ألف برقية بحث، وذلك نتيجة للتقادم أو تسوية الوضعيات القانونية للمعنيين بها، وهي مبادرة تهدف بشكل مباشر إلى حماية المواطنين من الاعتقال غير المبرر، وتزامنت مع مراجعة شاملة لآلاف ملفات الإكراه البدني لتعزيز ضمانات الحرية الفردية.
وفي هذا السياق، أكد والي علمي، الكاتب العام لرئاسة النيابة العامة، أن تقليص نسب الاعتقال الاحتياطي يمثل تحديا مركزيا ضمن السياسة الجنائية للمملكة، مبرزا نجاح الجهود المبذولة في خفض نسبته إلى حوالي 29% في عام 2025، بعد أن شهدت ارتفاعا ملحوظا خلال فترة الجائحة.
وأوضح علمي أن هذا الملف يكتسي حساسية بالغة نظرا لتأثيره المباشر على الأفراد والأسر وما يطرحه من إشكالات اجتماعية وإنسانية، مؤكدا تبني مقاربة تجعل من الاعتقال إجراء استثنائيا لا قاعدة.
وردا على انتقادات بعض الحقوقيين حول التوسع في الاعتقال، وصف علمي تلك الاتهامات بأنها “حق أريد به باطل”، مشيرا إلى وجود سوء فهم للإكراهات القانونية والمؤسساتية التي تحكم هذا المجال. وشدد على أن الاعتقال الاحتياطي ليس غاية في حد ذاته، بل ضرورة لحماية الأمن العام وضمان سير العدالة، واصفا العلاقة بين المتابعة القضائية والإيداع بالسجن بالميزان الحساس الذي يتأثر فيه كل طرف بالآخر.
واعتبر الكاتب العام أن إيداع شخص في السجن قبل صدور حكم نهائي ضده هو أقبح شيء يمكن أن يحدث، نظرا للآثار المدمرة التي تمس الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي للفرد. ولتجاوز هذا الوضع، عملت رئاسة النيابة العامة على تشجيع القضاة على اعتماد بدائل قانونية، وعلى رأسها السراح بكفالة، باعتباره حلا وسطا يضمن الضبط القضائي ويحمي في الوقت نفسه حرية الأفراد.
كما أشار والي علمي إلى دور الإصلاحات التشريعية في قانون المسطرة الجنائية في إعادة ضبط المفهوم القانوني للاعتقال، حيث أصبح التعريف اليوم أكثر دقة؛ إذ لم يعد الشخص يعتبر معتقلا احتياطيا بمجرد صدور حكم ابتدائي في حقه، وهو ما ساهم في تحسين قراءة المؤشرات. ويقوم التوجه الحالي على حصر الاعتقال في الجرائم الخطيرة أو حالات العود، مع التوسع في السراح المؤقت لضمان حضور المتهمين أمام القضاء دون حرمانهم من حريتهم بشكل غير ضروري.
واختتم الكاتب العام بالتأكيد على أن الرهان الأساسي اليوم يكمن في تحقيق معادلة دقيقة بين النجاعة القضائية وحماية الحقوق والحريات، سعيا لإعادة بناء علاقة متوازنة بين الدولة والمواطن داخل المجال القضائي، حيث تظل الحرية هي الأصل، والحرمان منها استثناء مبررا قانونا وواقعا.