تجريد أعضاء مجلس جماعة مكناس.. قرار المحكمة الإدارية بفاس بين القانون والسياسة

في خطوة غير متوقعة، أصدرت المحكمة الإدارية بفاس قرارًا يقضي بتجريد ثلاثة أعضاء من مجلس جماعة مكناس من عضويتهم، بناءً على طلب تقدم به حزب التجمع الوطني للأحرار. وقد أثار هذا القرار جدلاً كبيرًا في الساحة السياسية المحلية، لا سيما في ظل غياب التوضيحات الدقيقة بشأن كيفية تفسير المحكمة للمادة 20 من القانون التنظيمي للأحزاب السياسية، فهل كان قرار المحكمة صائبًا؟ أم أن هنالك بعض النقاط القانونية والسياسية التي تم التغاضي عنها؟

بداية، يجب التذكير أن المادة 20 من القانون التنظيمي للأحزاب السياسية تنص على أنه يمكن تجريد أي عضو من عضويته في مجلس جماعي أو جهة بناءً على طلب من الحزب الذي ترشح باسمه، لكن هذه المادة تفتقر إلى الوضوح والتفصيل في تحديد الحالات التي تستدعي تطبيقها. المحكمة الادارية استندت على هذه المادة لتجريد الأعضاء الثلاثة من عضويتهم بعد أن رفضوا التصويت لمرشحة الحزب في انتخابات رئاسة مجلس الجماعة، لكن هذا التفسير لم يأخذ في اعتباره أن هؤلاء الأعضاء لم يتخلوا عن انتمائهم السياسي بشكل قطعي.

إن الموقف الذي اتخذه الأعضاء كان سياسيًا بحتًا ولم يكن يتضمن فعل التخلي عن الحزب، فالرفض كان ناتجًا عن اعتراض داخلي على طريقة اختيار المرشحة التي تم فرضها دون الرجوع إلى المساطر الحزبية الداخلية، من هنا، كان من الأولى بالمحكمة أن تميز بين “رفض التصويت” و”التخلي عن الانتماء الحزبي”، لأن الرفض هنا لا يعني بالضرورة خروج الأعضاء من الحزب، بل كان موقفًا يهدف إلى تصحيح مسار داخلي.

من المستبعد أن يُعتبر الرفض مجرد تمرد على الحزب، كما اعتبرته المحكمة، هؤلاء الأعضاء كانوا يعبرون عن موقف ديمقراطي داخلي، وكانوا جزءًا من مسعى لتصحيح المسار داخل حزبهم، خاصة في ظل تجاهل المساطر الحزبية في اختيار مرشحة الحزب، بالتالي فإن فرض مرشحة على الأعضاء من دون التشاور مع قواعد الحزب لم يكن، بأي حال من الأحوال، تصرفًا سياسيًا سليمًا، أي، كان من المفترض أن تأخذ المحكمة بعين الاعتبار هذا البُعد السياسي الداخلي الذي أثير من قبل الأعضاء المعنيين.

القرارات السابقة للمجلس الدستوري قد أكدت أن “التخلي عن الانتماء الحزبي” يجب أن يكون فعلًا إراديًا وصريحًا من العضو. وفي هذا السياق، يمكن الرجوع إلى القرار رقم 981.15 والقرار 982.15 الصادرين في الجريدة الرسمية بتاريخ 4 يناير 2016، حيث رفض المجلس الدستوري تجريد عضوين من عضويتهما في مجلس النواب بناءً على قرار فصلهما من الحزب، لأنه لم يُعتَبر “تخليًا إراديًا” عنهما. كما أن المجلس الدستوري في قرارات أخرى مثل القرار رقم 979.15 في 19 دجنبر 2015، أكد على ضرورة توافر إرادة العضو في التخلي عن انتمائه الحزبي لإعمال تجريده من العضوية.

إن هذه المبادئ التي قررها المجلس الدستوري هي التي يجب أن يتم مراعاتها في تطبيق المادة 20 من القانون التنظيمي للأحزاب السياسية، وبالتالي، كان من الضروري أن تأخذ المحكمة بعين الاعتبار أن الأعضاء المعنيين لم يتخذوا قرارًا بتخليهم طوعًا عن الحزب، بل اعترضوا فقط على طريقة فرض مرشحة معينة، بمعنى أن ما فعله هؤلاء الأعضاء لا يدخل في إطار “التخلي” عن الحزب وإنما يعكس فشلًا في إدارة شؤون الحزب الداخلية وعدم مراعاة المساطر الديمقراطية في اختيار المرشحين.

على صعيد آخر، يجب أن نأخذ في الحسبان أن هذه القضية لها بعد سياسي أكبر من البُعد القانوني، فعلى الرغم من أن المحكمة كانت مطالبة بتطبيق القانون، إلا أن هذا القانون يجب أن يكون مرنًا بما يكفي للتعامل مع الديناميكية السياسية الداخلية للأحزاب، وبالتالي فالأعضاء الثلاثة كانوا يعبرون عن معارضة لإجراءات الحزب، ولم يتخذوا قرارًا بالخروج منه. إن التفسير الضيق للمادة 20، الذي تراه المحكمة، يعكس تجاهلًا لهذا البُعد السياسي الذي كان محوريًا في موقف الأعضاء.

إضافة إلى ذلك، يبرز اعتراض المجلس الدستوري على الصيغة الأولية للمادة 51 من مشروع القانون التنظيمي للجماعات التي كانت تنص على إمكانية تجريد المستشار من عضويته بناءً على قرار الحزب فقط، بعد استنفاد المساطر الحزبية والقضائية، حيث رفض المجلس الدستوري هذا النص واعتبره يشكل مساسًا بالانتداب الانتخابي ويوسع تطبيق الفصل 61 من الدستور. هذا الاعتراض يعزز موقف الأعضاء المعنيين ويُظهر أن التجريد من العضوية يجب أن يرتبط ارتباطًا وثيقًا بإرادة العضو وليس بقرار الحزب بشكل أحادي.

وفي النهاية، فإن القرار الصادر عن المحكمة الإدارية بفاس يفتقد إلى التوازن بين الجوانب القانونية والسياسية للقضية، على اعتبار أن الأعضاء الذين تم تجريدهم من عضويتهم تم انتخابهم بناء على برامجهم السياسية وكفاءتهم، لا بناء على التزامهم الأعمى بتوجيهات الحزب، وأن إرادة الناخبين يجب أن تكون محترمة، ويجب أن تُأخذ بعين الاعتبار في جميع القرارات التي تتعلق بممثليهم في المجالس الترابية. وعليه، فإن تطبيق المادة 20 بهذا الشكل يهدد الاستقرار السياسي داخل المجالس المنتخبة ويقلل من استقلالية الأعضاء في اتخاذ قراراتهم السياسية.

من خلال هذه المعطيات، يبدو أن قرار المحكمة الإدارية بفاس لم يكن دقيقًا في تفسيره للمادة 20 ولم يأخذ بعين الاعتبار البُعد السياسي للقضية، على اعتبار إن ما حدث كان مجرد اعتراض داخلي على طريقة اختيار مرشحة الحزب، وهو اعتراض لا يبرر تجريد الأعضاء من عضويتهم في المجلس الجماعي. وبالتالي من الضروري أن يتم تصحيح هذا القرار في مرحلة الاستئناف، مع التأكيد على ضرورة احترام الإرادة الشعبية والحقوق السياسية للأعضاء، وأن الممارسة السياسية يجب أن تكون منفتحة ومتنوعة، وأن تُحترم حرية الأعضاء في التعبير عن مواقفهم دون أن يكون ذلك سببًا للطرد أو التجريد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *