التقرير الرسمي للحسابات الخصوصية للخزينة.. إنفاق 176 مليار درهم وتراكم 231 مليارا ببعض الصناديق الحكومية

في الوقت الذي تشتد فيه النقاشات العمومية حول استدامة التوازنات المالية ومصادر تمويل القطاعات الاجتماعية والإنتاجية، يكشف التقرير الرسمي حول الحسابات الخصوصية للخزينة المرفق بمشروع قانون المالية عن واقع مالي مثير يتجاوز المنطق التقليدي للميزانية العامة للدولة، حيث باتت تدار كتل مالية ضخمة عبر ما يعرف إعلاميا واقتصاديا بالميزانية الموازية.

وتستحوذ هذه الحسابات التي يبلغ عددها 70 حسابا على موارد وإمكانات هائلة تشرف عليها وزارات ومؤسسات حكومية، بينها 56 حسابا مرصدا لأمور خصوصية، نفقت وحده أكثر من 176.32 مليار درهم خلال سنة واحدة، بينما تراكمت فيها أرصدة محاسبية مرحلة تجاوزت 230.93 مليار درهم، مما يطرح أسئلة جوهرية حول الحكامة المالية ومستويات الشفافية وحجم الرقابة البرلمانية الفعالة على هذه الصناديق.

وتتركز سلطة الأمر بالصرف في هذه الحسابات بشكل لافت داخل قطاعات وزارية محددة، حيث تستحوذ وزارة الاقتصاد والمالية على إدارة 25 حسابا، تليها وزارة الداخلية بعشرة حسابات، ثم رئاسة الحكومة بستة حسابات، وتتوزع باقي الحسابات على قطاعات كالفلاحة والتجهيز والعدل والدفاع الوطني.

وتظهر مؤشرات الإنفاق أن وزارة الداخلية استأثرت بنحو 71.12 مليار درهم، أي أكثر من 40% من إجمالي نفقات الحسابات المرصدة لأمور خصوصية، فيما تولت وزارة المالية صرف 65.23 مليار درهم، ما يعني أن أكثر من ثلاثة أرباع النفقات تتمركز لدى هاتين الوزارتين فقط، وهو ما يبرز أهمية المساءلة حول معايير توزيع هذه الموارد الضخمة والمشاريع والجهات التي تستفيد منها.

ويكشف تفكيك الموارد المالية لهذه الحسابات عن مفارقة اقتصادية حادة، فإجمالي الموارد المعبأة في الحسابات المرصدة بلغت 407.25 مليارات درهم، جاء جزء منها من الموارد الذاتية للضرائب والرسوم، مدعومة بتحويلات الميزانية العامة، إلى جانب نحو 198.32 مليار درهم كأرصدة مرحلة من سنوات سابقة.

ورغم توجيه نفقات كبرى نحو قطاعات حيوية، في مقدمتها حصة الجماعات الترابية من الضريبة على القيمة المضافة بـ 54.50 مليار درهم وصندوق دعم الحماية الاجتماعية والتماسك الاجتماعي بـ 37.67 مليار درهم، إلى جانب صناديق الرياضة والسكن وآثار الزلزال، فإن السنة المالية انتهت برصيد مرحل يناهز 231 مليار درهم.

ويضع هذا الجمود المالي الحكومة أمام تساؤلات حارقة حول دواعي تجميد هذه الأرصدة المليارية من سنة إلى أخرى، في وقت تبحث فيه الدولة عن موارد إضافية وتلجأ للاقتراض لتغطية عجز الميزانية وتلبية حاجيات الاستثمار.

وتتأرجح هذه الآلية بين مرونة التدبير الإداري وسقف الرقابة المفروضة عليها، فبالرغم من أن الحسابات الخصوصية تخضع قانونيا لمصادقة البرلمان وترخيص اللجان المعنية وفق أحكام القانون التنظيمي لقانون المالية، وتدافع عنها الحكومة باعتبارها أداة لتأمين التمويل المستدام للمشاريع الكبرى عابرة السنوات، إلا أن الممارسة الميدانية تكشف عن مسافة فاصلة بين الرقابة الشكلية والنفاذ إلى التفاصيل.

فالتقرير الحكومي يكتفي بنشر المعطيات الرقمية الإجمالية، دون الكشف عن هوية الشركات والجهات التي تلقت التمويلات، ولا تكلفة الصفقات المبرمة وتفاصيل المشاريع ومستوى تحقق أثرها على الميدان، مما يجعل هذه الحسابات الخصوصية منطقة تجاذب دائم بين الحاجة إلى المرونة التنفيذية وحق المجتمع والمؤسسات التشريعية في المحاسبة والشفافية الكاملة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *