حذف عبارة “الإثراء غير المشروع” يثير الجدل.. هل رضخت رئيسة الحكومة لضغوط وهبي؟

لم تكد تمضي أربع وعشرون ساعة على إلقاء رئيسة الحكومة، فاطمة الزهراء المنصوري، للتصريح الحكومي أمام البرلمان، حتى شهدت كواليس المؤسسة التشريعية واقعة سحب سريعة ومرتبكة، تمثلت في الحذف التام والتسلل الهادئ لفقرة “تجريم الإثراء غير المشروع ومعاقبة تضارب المصالح” من النسخة المكتوبة والنهائية الموزعة على النواب، بعدما تم النطق بها علنا في الخطاب الشفهي والنسخة الأولى الموجهة للصحافة.
هذا التحول المفاجئ في متن الوثيقة الرسمية، واستبداله بصياغة مجردة تقتصر على “تنازع المصالح” دون النص الصريح على المقتضيات الزجرية لمكافحة مراكمة الثروات، فتح الباب أمام قراءات سياسية تصف الإجراء بالتراجع المبكر عن أول التعهدات المقطوعة لتخليق الحياة العامة.
هذا وتشير التحليلات والكواليس إلى دور محتمل لوزير العدل، عبد اللطيف وهبي، المعروف بمعارضته المبدئية للنسخة السابقة من هذا القانون وسحبه له من المؤسسة التشريعية سنة 2021، ما يعكس، بحسب المنتقدين، غياب رؤية موحدة داخل مكونات الأغلبية حول آليات تتبع الثروة ومحاسبة النفوذ.
وعلى وقع هذا الارتباك التنظيمي، سارع فريق حزب العدالة والتنمية إلى استغلال اللحظة السياسية لإحراج الأغلبية الحاكمة عبر هجوم تشريعي وميداني حاد، وإيداع حزمة تضم أربعة مقترحات قوانين دفعة واحدة، تضمنت نصوصا صريحة لتجريم الإثراء غير المشروع، وتأطير الوقاية من تنازع المصالح، وتوحيد آليات التصريح بالممتلكات، إلى جانب توفير الحماية القانونية للمبلغين عن الفساد داخل الإدارات العمومية.
ولم يقف موقف المعارضة عند حدود المبادرة التشريعية، بل امتد إلى مواجهة المضمون الحكومي داخل القبة البرلمانية، حيث انتقد الأزمي رئيس فريق العدالة والتنمية توجه الحكومة نحو تركيز آليات الرقابة على صغار الموظفين والتغاضي عن كبار ذوي النفوذ والقرابة الحزبية، موجها الاتهام المباشر لتمدد تضارب المصالح في قطاعات الفلاحة والصحة والأدوية. وهو ما زكاه نائبه في الفريق غبد الله بووانو، بالتساءل علنا عن قدرة رئيسة الجهاز التنفيذي على ضبط حالات تضارب المصالح التي تلاحق بعض أعضاء تشكيلتها الحكومية.
وبهذا السحب السريع للفقرة التعهدية والرد المتسارع من المعارضة، تتجه مرحلة انطلاق الجهاز التنفيذي نحو اختبار حقيقي أمام الرأي العام، يتجاوز حدود السجال اللفظي ليضع جدية الالتزامات الدستورية الخاصة بمحاربة الريع وتضارب المصالح على المحك التشريعي والميداني.