حملة ضد احتلال الملك العام بـ”حومة الشوك”.. هل تحرك والي طنجة تحت ضغط فيديوهات “الدرون”؟

طنجة – لم تكن الحملة الواسعة التي قادتها السلطة المحلية للملحقة التاسعة بحي بنكيران، مدعومة برئيس الدائرة الحضرية الشرف مغوغة ورئيسي الملحقتين العاشرة العاشرة مكرر، تنفيذا لتعليمات والي الجهة، سوى فصل جديد من مسرحية الحملات المناسباتية التي تباشرها الإدارة الترابية تحت ضغط الحرج الميداني.
فقد أسفرت هذه العمليات عن حجز أعداد غفيرة من الكراسي والمستلزمات المستغلة من طرف المقاهي، فضلا عن طاولات المطاعم المترامية على الأرصفة. لكن، ورغم أن تحرير الملك العام يظل خطوة في صلب تطبيق القانون، فإن السؤال المشروع الذي يفرض نفسه بقوة هو، لماذا يتحرك المسؤول الأول بعد ثلاث سنوات من توليه المهام بالجهة الآن بالذات؟
الواقع أن هذا التحرك المفاجئ لم يأت نتيجة يقظة إدارية تلقائية أو استراتيجية استباقية لمواجهة الفوضى الحضرية، بل جاء كرد فعل مدفوع بانتشار مقاطع فيديو ملتقطة بطائرات “الدرون” من طرف مصورين هواة. هذه الفيديوهات كشفت للعيان حجم العبث والتسيب المستشري في “حومة الشوك”، وفضحت على الملأ صور الترامي الصارخ على الملك العام.
هذا العبث ليس وليد اللحظة ولا وليد الأمس، بل هو واقع مرير جثم على صدور الساكنة لسنوات طويلة، دون أن تحرك الأجهزة الترابية ساكنا، وكأن الإدارة لا تستفيق من سباتها إلا بعد أن تنفجر الفضيحة وتفتضح الأمور في منصات التواصل الاجتماعي، وهو ما يعكس أزمة حكامة عميقة تجعل الإدارة تنتظر الفضائح الرقمية لتتحرك، بدلا من الاعتماد على لجان يقظة ومراقبة استباقية مستمرة تحمي الفضاءات الحضرية قبل أن توثقها عدسات الهواة.
هذا النمط من التدبير يكشف عن خلل بنيوي عميق في منظومة السلطة، حيث يتحول المسؤول الترابي إلى “مطفئ حريق” يتدفق غضبه فقط عندما تفرض الكاميرات الرقمية واقعها المؤلم، ليطرح الشارع التساؤل الملح، أين كانت هذه السلطات والأسواق العشوائية تفرخ وتتمدد طيلة هذه السنوات؟ ولماذا غابت الصرامة طيلة مدة تعاقب القياد والبشوات على المنطقة؟
والأكثر إثارة لليأس والاستغراب، هو عبثية الحلول الترقيعية التي تقابل بها ظاهرة الباعة المتجولين والفراشة، فقد سبق لهؤلاء أن استفادوا من محلات تجارية داخل الأسواق النموذجية المخصصة لإيوائهم. ورغم أن القانون يمنع منعا باتا تفويت هذه المحلات أو بيعها، إلا أن المستفيدين عمدوا إلى الالتفاف على القانون وتفويتها بطرق ملتوية وغير قانونية والعودة لاحتلال الشارع جهارا نهارا.
وهنا يطرح السؤال الجوهري نفسه بإلحاح، إذا كان القانون يحظر هذا التفويت، فلماذا لا تتدخل السلطات لردع هذه التجاوزات الفاضحة؟ لأن صمت السلطات وتغاضيها عن هذه العمليات هو ما يجعل ظاهرة احتلال الملك العام تتكاثر وتتغول على أعين أعوان السلطة والقياد، حيث تتحول الأسواق النموذجية الممولة بالمال العام، بفعل غياب المراقبة الصارمة، إلى أصول يتم اكترائها وتفويتها في “السوق السوداء” برعاية شبكات وساطة تستفيد من استمرار الفوضى في الشوارع.
وما ينطبق بحذافيره على “حومة الشوك” ومغوغة ليس حالة استثناء معزولة، بل هو النموذج المهيمن في جل الأحياء الشعبية بطنجة، حيث تدار أزمة الملك العام بمنطق الهروب إلى الأمام في ظل عجز المجالس الجماعية ومقاطعاتها عن التخطيط العمراني، واكتفائها بلعب دور المتفرج بميزانيات تذهب هباء دون أثر ميداني حقيقي، ناهيك عن مفارقة تطبيق القانون التي تقف فيها حملات “الدرون” عند عتبات المقاهي الكبرى، حيث تتمتع المطاعم الفاخرة بحصانة مبطنة تتيح لها الاستيلاء على الأرصفة دون أن تجرؤ السلطة على مقاربة توسعاتها غير القانونية مقارنة بالبطش الدائم ضد الباعة الجائلين.
اليوم لا يمكن أن تبنى معالجة ظاهرة احتلال الملك العام على “الفزعة” الإدارية والحملات الموسمية المرتبطة بضغط الفيديوهات، بل تتطلب مقاربة جذرية وحازمة، تقطع مع الترقيع، وتفرض عقوبات صارمة ورادعة ضد كل من تحايل على القانون وفوت محله ليعود لشارع الفوضى. فبدون محاسبة حقيقية وتطهير الإدارة من التواطؤ الصامت، ستظل كل تحركات السلطة مجرد ركض عبثي خلف أخطائها.