أستاذية “البيجيدي” وتبخيس شجاعة الومغاري.. مناورة مكشوفة أمام وعي الساكنة المكناسية

بقلم | فؤاد السعدي
كيف لحزب توارى عن أنظار الفعل الميداني واختار الانكفاء لولاية كاملة بعدما عبر الشارع المكناسي عن رأيه في استحقاقات 8 شتنبر 2021، أن يستفيق فجأة متوهما أنه ما يزال يملك أهلية التوجيه وإعطاء الدروس في التسيير الجماعي؟ وهل يراهن القائمون على حزب العدالة والتنمية بمكناس على ضعف ذاكرة الساكنة لتمرير بيان يحفل بالمغالطات الساطعة ومحاولة التغطية على أرقام ومحاضر رسمية تفند ادعاءاته جملة وتفصيلا؟ ولعل محاولة ركوب موجة ملف النقل الحضري بواسطة الحافلات اليوم تكشف عن مناورة سياسية بائسة لإعادة كتابة تاريخ قريب من الفشل، وتصدير العجز المؤسساتي المتراكم منذ أن فقد الحزب الأغلبية المسيرة للمدينة.
وهو التناقض الذي يتكشف بوضوح عند التفكيك الموضوعي لمضامين هذا البيان، ففي خرجاته الأخيرة يتحدث حزب العدالة والتنمية بلغة الأستاذية عن تدهور الأسطول وعدم توقيع الجزاءات المالية منذ سنة 2023، في إغفال تام لكون الحزب، إبان توليه مقاليد تدبير العاصمة الإسماعيلية، لم يستصدر أي قرار حاسم يضع حدا لتجاوزات الشركة المفوض لها “سيتي باص”. وفي المقابل، يبرز الفارق بين التجربتين في مستوى الجرأة الإدارية، خصوصا عندما أقدم مجلس الومغاري على خطوة غير مسبوقة بتثبيت وتفعيل غرامات مالية قياسية في ذمة الشركة المذكورة بلغت نحو خمسة مليارات سنتيم (50 مليون درهم)، جراء النقص الحاد في الحافلات والإخلال الشنيع ببنود دفتر التحملات، في الوقت الذي أقدم فيه مجلس العدالة والتنمية لما كان في التسيير على إقرار ملحق التمديد للشركة ذاتها، رغم العلم المسبق بتراجع جودة أسطولها مفصلا آنذاك الخيار الأسهل المتمثل في تأجيل الأزمة وتصدير الملف لعهدة المجلس الحالي، وتاركا المعاناة اليومية للساكنة دون فرملة دون كبح لتجاوزات المرفق . فأين كانت هذه الحمية الرقابية والغيرة المدعاة على القطاع يوم بصمتم بأيديكم على ملحق التمديد لشركة مفلسة؟
ولعل أورام هذا السلوك التضليلي تتجلى بشكل صارخ في النهج القائم على تبخيس العمل المؤسساتي الميداني الذي يقوده مجلس الومغاري، بمعنى، بدل أن تملك الكتابة الإقليمية للعدالة والتنمية الشجاعة الإدارية والأخلاقية للإشادة بقرار تاريخي غير مسبوق نجح في تثبيت غرامات بالملايير، وبقرار الفسخ الشجاع، اختارت ممارسة الأستاذية الفارغة وإعطاء دروس متأخرة في الحكامة وحسن التسيير، هي الأستاذية ذاتها التي تناست كيف تم تدبير هذا المرفق بأسلوب المهادنة والهروب إلى الأمام طيلة سنوات تدبيرهم، ليطلوا اليوم ب”سنطيحة” الناصح الأمين والمدافع عن حقوق الساكنة، وكأن الذاكرة الجماعية لأبناء العاصمة الإسماعيلية أصابها التلف، في الوقت الذي يؤكد فيه الواقع الميداني أن الساكنة المكناسية التي اكتوت لسنوات بطول الانتظار في مواقف الحافلات المتهالكة، باتت على وعي كامل بالمرامي والخلفيات الحقيقية لخرجات الحزب، اليوم الشارع يدرك جليا أن الهدف ليس إصلاح قطاع النقل ولا الغيرة على خدمات المدينة، بقدر ما هي محاولة لتصفية حسابات سياسية ضيقة، والتشويش على تجربة تدبيرية نجحت في فتح الدمل المؤسساتي وإعادة الهيبة للقانون والمال العام في وجه تغول الشركة المفوض لها.
ويتجاوز حجم التناقض التدبيري ملف الغرامات والمسؤولية التاريخية، عندما يزعم البيان أن رئيس الجماعة انفرد بقرار الفسخ واعتبره قرارا متسرعا يعمق الأزمة، في حين أن تلك مفارقة سياسية تفندها محاضر الدورة الاستثنائية لشهر يوليوز 2026، إحيث تشير وثائق المجلس بوضوح إلى أن قرار الفسخ النهائي لعقد التدبير المفوض مع “سيتي باص” صوت عليه فريق مستشاري العدالة والتنمية أنفسهم خلال الدورة، وبالتالب كيف يستقيم منطقيا ومؤسساتيا أن يصوت ممثلو الحزب بالإيجاب لصالح قرار الفسخ تحت سقف المجلس، ثم يخرج تنظيمهم الإقليمي ببيان إعلامي يستنكر فيه ذات القرار ويصفه بالتخبط؟ للأسف هذا الانفصام في الموقف لا يقرأ سوى في إطار البحث عن موضع قدم إعلامي، عبر مسايرة إجماع المجلس على إسقاط الشركة، ثم محاولة استغلال قلق الشارع إعلاميا للتشويش على المسار الإصلاحي الجاري.
صحيح لا يختلف اثنان بمكناس على الدور المحوري والحاسم الذي لعبه عامل عمالة مكناس والسلطات المركزية لوزارة الداخلية في مواكبة هذا الملف المعقد، وهو جهد مؤسساتي محمود بالتأكيد، غير أن محاولة البيان الضمنية لتحييد دور رئيس الجماعة والقفز على قراراته الحاسمة في إقرار الغرامات وإعلان الفسخ، تعد سلوكا يبتعد عن مقومات الإنصاف والنزاهة السياسية. وهنا لا بد أن نستحضر المفهوم الأصيل للتخلق والاعتراف بالفضل، فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول: “لا يَشْكُرُ اللَّهَ مَنْ لا يَشْكُرُ النَّاسَ”. ولعل الواقع المؤكد يشهد بوضوح أن محاولة فصل الفعل الجماعي عن الرعاية الإقليمية هي محاولة فاشلة لخلق شرخ في التعاون المؤسساتي الذي بني على التكامل بين الشجاعة السياسية لرئيس المجلس ومواكبة سلطات الوصاية.
ولعله من باب ذر الرماد في العيون أن يدعي البيان أن الجماعة تركت الساكنة دون بدائل أو خريطة طريق، وهي مغالطة تفندها الخطوات الانتقالية المعمول بها حاليا، حيث لم تتوقف الجماعة عند حدود الفسخ، بل اتخذت تدابير عملية عبر التكفل المباشر بتدبير المرفق بشكل مؤقت لضمان استمراريته، إلى جانب صيانة حقوق العمال والمستخدمين عبر ضمان أجورهم المتأخرة وحماية مكتسباتهم الاجتماعية، فضلا عن التأسيس لحل جذري عبر المسار الإداري الصحيح لتأسيس “شركة للتنمية المحلية” تضمن اقتناء أسطول جديد بمواصفات عالية تليق بكرامة ساكنة العاصمة الإسماعيلية. وكان حريا بكتاب البيان، قبل الاستغراق في توجيه الاتهامات، أن يستحضروا من كان السبب المباشر في التعاقد مع هذه الشركة في البداية، ومن يتحمل المسؤولية الأخلاقية والتدبيرية عن الوضعية التي وصل إليها النقل الحضري بمكناس منذ العقد المبرم أيام رئيس المجلس السابق المرحوم بلكورة، لتكتمل حلقة التعثر الممتدة عبر مجالسهم المتلاحقة.
ويأبى كتاب البيان استيعاب فكرة أن الساكنة المكناسية تميز جيدا، بعد سنوات من المعاناة مع أزمة النقل، بين من آثر المهادنة وتأجيل الملفات الشائكة، وبين من ملك الشجاعة المؤسساتية لفتح الدمل وإقرار الغرامات وإشعال الضوء الأخضر لإنهاء مهزلة “سيتي باص”. أي أن الواجب اليوم يقتضي التذكير بأمر أساسي، وهو أن ممارسة العمل السياسي والمسؤولية الجماعية تتطلبان أولا وقبل كل شيء الالتزام بالموضوعية والنزاهة الفكرية، والتوقف عن الاستغلال السياسي لأزمات المواطنين اليومية.