زلزال مكناس الانتخابي.. اندحار الأحرار والاستقلال وصعود لافت للدستوري والعدالة والتنمية

أعادت نتائج الانتخابات التشريعية لسنة 2026 رسم الخريطة السياسية بإقليم مكناس بشكل صريح، متوجة التحولات الميدانية والتدبيرية التي شهدتها المدينة خلال السنوات الأخيرة. نتائج الاقتراع حملت رسائل واضحة من الشارع المكناسي، تمثلت في معاقبة صريحة لحزبي التجمع الوطني للأحرار والاستقلال، مقابل صعود لافت للاتحاد الدستوري وعودة قوية لحزب العدالة والتنمية.

ويقف وراء الارتفاع الملموس لحزب الاتحاد الدستوري، الذي ارتقى إلى المرتبة الثالثة إقليميا بـ 14,197 صوتا (مقارنة بـ 12,966 صوتا سنة 2021)، الدينامية الميدانية الاستثنائية التي خلقها مرشحه ووكيل لائحته، والذي يتولى في الوقت نفسه رئاسة المجلس الجماعي لمكناس، حيث استطاع خلال سنتين فقط من توليه المسؤولية أن ينهي مرحلة التخبط، ويعيد العاصمة الإسماعيلية إلى سكة التنمية عبر إطلاق مشاريع هيكلية وتنزيل أوراش ملموسة، مدعوما بتكتل مشكل من الأحزاب الصغيرة الموالية له التي أسهمت في خلق الانفراج التنموي وحالة الاستقرار الاجتماعي والترابي بالجماعة. وهنا يبرز معطى حيوي يوضح ثقل هذا الصعود، متمثلا في كون حزب الاتحاد الدستوري حصد غالبية أصواته الحسمية من داخل النفوذ الترابي لجماعة مكناس الحضرية دون أن يكون له امتداد واسع بالوسط القروي، ما يجعله عمليا وفي واقع الأمر الحزب الأول على مستوى المجال الحضري لجماعة مكناس.

في المقابل، تجرع حزبا التجمع الوطني للأحرار والحزب الاستقلالي عقابا انتخابيا حادا عبر تراجع عددي غير مسبوق، حيث انحدر الأحرار من المرتبة الثانية بـ 28,336 صوتا سنة 2021 إلى القاع بـ 6,501 صوتا بفقدان أزيد من 21,800 صوت (أي بنسبة تراجع ناهزت 77%)، بينما نزل الاستقلال من الصدارة بـ 29,425 صوتا إلى 10,378 صوتا بفقدان أكثر من 19,000 صوت (تراجع تجاوز 64%). وتكتسي هذه الأرقام أبعادا أكثر عمقا بالنظر إلى جغرافية الاقتراع، حيث إن الحصيلة الحالية لكلا الحزبين جاء جلها من الجماعات القروية التابعة للإقليم، بينما تكاد تكون الأصوات التي حصلا عليها داخل جماعة مكناس الحضرية ضعيفة وهامشية للغاية. هذا الاندحار المزدوج يعزى إلى حالة الشلل والبلوكاج التنظيمي والتدبيري التي عاشتها مكناس خلال فترة ترأس التجمع الوطني للأحرار للمجلس الجماعي بمشاركة الاستقلال، وهي المرحلة التي عطلت مصالح الساكنة وأدخلت المدينة في جمود تنموي طويل لم ينهه إلا التحول الرئاسي الأخير.

من جهته، حصد حزب العدالة والتنمية ثمار إستراتيجيته السياسية بتبوئه المركز الأول بـ 17,885 صوتا، متضاعفا بأكثر من مرتين مقارنة بنتيجته لسنة 2021 (7,459 صوتا) وبزيادة قياسية بلغت 10,426 صوتا، وهي القفزة التي تعود بشكل رئيسي إلى المعارضة الشرسة التي قادها عبد الله بووانو ضد حكومة أخنوش وشخص رئيسها، إلى جانب تموقع الحزب المبدئي ضد البلوكاج وتنصله من الصراعات الفئوية. ورغم أن موقف مستشاري الحزب بالمجلس الجماعي ظل متذبذبا وكان قاب قوسين أو أدنى من المشاركة مع الأحرار والاستقلال في تشكيلة المجلس بعد استقالة جواد باحجي لولا التدخل الحاسم لحكماء الحزب، إلا أن هذه الصرامة والقرار القيادي المباشر نجحا في تصحيح المسار. وهذه النتيجة تستحضر درسا سياسيا مفاده أن مسافة الأمان كانت الخيار الأنجع للحزب لاستعادة جزء من بريقه على مستوى حاضرة الإسماعيلية.

وفي سياق القراءة الجغرافية لخريطة الأصوات، برز حزب الحركة الشعبية بحلوله ثانيا بـ 14,428 صوتا مقابل 22,550 صوتا سنة 2021، غير أن هذا التراجع العددي لم يمنع الحزب من ضمان مقعده النيابي بفضل خزان انتخابي ينحصر ويتمركز كليا بالعالم القروي المتاخم للإقليم، في مقابل شبه انعدام وغياب شبه تام لرصيده من الأصوات داخل النفوذ الحضري لجماعة مكناس. أما حزب الأصالة والمعاصرة فقد سجل استقرارا نسبيا بحصوله على 9,691 صوتا مقارنة بـ 10,347 صوتا في الاقتراع السابق، متأثرا بالصدمة الميدانية التي أربكت حضوره بالدائرة.

تنتج هذه الخريطة الجديدة نقطة تحول حاسمة ستلقي بظلالها المباشرة على معركة التنافس في الاستحقاقات الجماعية المقبلة لتكريس خيار التنمية ومحاسبة تجارب التعطيل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *