مكناس.. “البيجيدي” يوزع دروس النزاهة من جديد.. بلاغات للهروب من الأسئلة أم معارضة تبحث عن معركة انتخابية؟

بقلم | فؤاد السعدي

يبدو أن حزب العدالة والتنمية بمكناس وجد في البلاغات السياسية ملاذا آمنا كلما ضاق عليه النقاش، فبدل أن يواجه الأسئلة التي أثارتها وقائع الدورة الاستثنائية الأخيرة لمجلس الجماعة، اختار أن يرتدي جلباب الواعظ الأخلاقي كعادته، ويقدم نفسه فجأة حارسا للشفافية والنزاهة وربط المسؤولية بالمحاسبة. وكأن المدينة لم تعرف الحزب من قبل، ولم تختبر طريقته في تدبير شؤونها، ولم تحتفظ ذاكرتها بما يكفي من الملفات الحارقة والأسئلة التي ظلت معلقة منذ سنوات.

صحيح أن البلاغ الأخير، الموقع باسم الكتابة الإقليمية للحزب، لم يأت بجديد يذكر في جوهره، لكنه، للأسف، أعاد إنتاج قاموس سياسي مألوف، من قبيل الشفافية ومحاربة الفساد والمساواة بين المرتفقين، قبل أن يرفع سقف خطابه بدعوة رئيس الجماعة إلى الإجابة عن سؤال “من أين لك هذا؟”. وهنا بالضبط تبرز المفارقة التي تستحق التوقف عندها وهي، هل هذا هو السؤال الذي ينتظر المكناسيون من حزب العدالة والتنمية أن يطرحه؟ وهل اختزال مطلب المحاسبة في شخص رئيس الجماعة لا يمثل، في حد ذاته، نوعا من شخصنة الصراع السياسي، بدل توجيه النقاش نحو جوهره الحقيقي، أي كشف معطيات تدبير المال العام ومساءلة كل من تحمل المسؤولية؟

فإذا كان الحزب قد اختار رفع شعار “من أين لك هذا؟” وجعله مدخلا لمساءلة الآخرين، فمن باب أولى أن يوجه السؤال نفسه إلى بعض مستشاريه وقياداته، وأن يضع ماضيهم وحاضرهم أمام الرأي العام المكناسي، الذي لا تنقصه الذاكرة ولا الأسئلة بشأن مسارات عدد من الوجوه التي تتصدر المشهد السياسي المحلي. فالمكناسيون لا يحتاجون إلى من يختار لهم الأشخاص الذين ينبغي مساءلتهم، ولا إلى من يحدد لهم من يستحق السؤال ومن يعفى منه. والمحاسبة لا يمكن أن تكون انتقائية، ولا يجوز أن تتحول إلى سلاح يشهر في وجه الخصوم ويغمد عندما يتعلق الأمر بأهل البيت. فمن يرفع شعار الشفافية عليه أن يقبل بها شاملة، ومن يطالب بمحاربة الفساد لا يمكنه أن يحصر المعركة في خصومه السياسيين.

والمفارقة أن هذا التصعيد جاء بعد الجدل الذي أثارته مداخلة المحامي عبد الصمد الإدريسي خلال الدورة الاستثنائية، وما أثاره رئيس الجماعة عباس الومغاري بشأن مراسلات عبر تطبيق “واتساب”، قال إنها تضمنت ضغوطا لحمله على التوقيع على رخصة تحيط بها تحفظات مرتبطة بالضوابط القانونية والتعميرية. ثم أعقب ذلك بلاغ الإدريسي، تلاه بلاغ الكتابة الإقليمية للحزب، والآن يبدو أن المشهد مفتوح على بلاغات أخرى، في انتظار أن يلتحق محمد أشكود بقافلة البيانات. وهكذا تتحول السياسة بمكناس إلى سباق في تحرير البلاغات، وكأن المدينة لا ينقصها سوى مزيد من الورق حتى تحل مشاكلها.

والأكثر إثارة أن البلاغ يتحدث عن “التضليل المؤسساتي” و”فضح الفساد”، ويعلن استعداد مستشاري الحزب لمواصلة المواجهة، لكنه لا يضع أمام الرأي العام ملفا محددا أو وثيقة واضحة تتيح التحقق من الاختلالات التي يتحدث عنها. بل يطالب رئيس الجماعة بأن يتحلى بالشجاعة، وأن يخضع لافتحاص حقيقي، ويطرح عليه سؤال “من أين لك هذا؟”. والحقيقة أن الحزب، إذا كان يتوفر فعلا على معطيات أو قرائن بشأن اختلالات في التدبير، فما الذي يمنعه من وضعها أمام المؤسسات الرقابية المختصة؟ أليس هذا هو المعنى العملي لربط المسؤولية بالمحاسبة، بدل الاكتفاء بترديد الشعارات في البلاغات؟ فالحديث عن الفساد مسؤولية سياسية وأخلاقية، ولا تكفي فيه العبارات الرنانة، بل يحتاج إلى وقائع وأدلة ومسارات واضحة.

لا أحد يطلب من حزب العدالة والتنمية أن يصمت، ولا أحد ينازع مستشاريه حقهم في المعارضة أو مساءلة رئيس الجماعة. لكن ما يبدو أن بعض قياداته لا يريد استيعابه هو أن المعارضة ليست امتيازا لإطلاق الاتهامات دون تحمل مسؤولية ما يقال، كما أن محاربة الفساد لا تبدأ بتوزيع صكوك النزاهة على الذات، ولا تنتهي بتوجيه الأسئلة إلى الخصوم وحدهم. ومن يطالب بالشفافية عليه أن يقبل إخضاع تجربته السابقة للمساءلة نفسها، ومن يرفع شعار المحاسبة لا يمكنه أن يتعامل مع ماضيه باعتباره منطقة محرمة أو صفحة لا يجوز فتحها.

وهنا تحديدا تبرز الذاكرة التدبيرية للحزب بمكناس، خصوصا أنه سبق له أن تولى رئاسة الجماعة في عهد عبد الله بوانو، مستفيدا من أغلبية مريحة، كما كان حزبه يقود الحكومة ويتوفر على حضور وازن في الجهاز التنفيذي. ومع ذلك، لم تتحول تلك المرحلة إلى محطة تنموية تترك بصمة بحجم الوعود التي رافقتها، وظلت ملفات تدبيرية ومالية مثار نقاش وتساؤل، من بينها ما ارتبط بقطاع الجبايات والموارد المالية، وما أثير بشأن تقارير رقابية واختلالات في التدبير الجماعي. وهي ملفات لا يجوز أن تبقى مجرد عناوين في الذاكرة السياسية، بل تستوجب العودة إلى وثائقها ومعطياتها وتحديد المسؤوليات بشأنها، تماما كما يطالب الحزب اليوم بفتح ملفات المرحلة الحالية.

فأين كانت هذه الحماسة للشفافية حين كانت مفاتيح تدبير الجماعة بيد الحزب؟ وأين كانت لغة المحاسبة حين كانت مكناس تنتظر أن تتحول الوعود الحزبية والحكومية إلى مشاريع ملموسة؟ وهل كان ربط المسؤولية بالمحاسبة مبدأ مؤسساتيا آنذاك، أم أنه أصبح اليوم سلاحا سياسيا لا يشهر إلا في وجه الخصوم؟ ليس من المقبول أن يتحول الماضي إلى ذاكرة انتقائية، تستحضر فيها أخطاء الآخرين وتمحى منها مسؤولية من سبق لهم تدبير المدينة. وإذا كان الحزب يريد فتح الملفات، فليبدأ أيضا بفتح ملفات تجربته، وليضع حصيلته أمام المكناسيين بدل الاكتفاء باستدعاء شعارات المحاسبة كلما وجد نفسه في مواجهة سياسية.

أما دعوة الحزب إلى افتحاص رئيس الجماعة، فهي من حيث المبدأ ليست موضع اعتراض، بل إن أي افتحاص جدي وشفاف يخدم المدينة ويعزز الثقة في المؤسسات. لكن المبدأ نفسه ينبغي أن يطبق على الجميع، لا أن يصبح مطلبا موجها في اتجاه واحد. فالمحاسبة ليست انتقاما سياسيا، ولا امتيازا تمنحه المعارضة لنفسها، بل قاعدة تسري على من يحكم ومن يعارض، وعلى من يوجد اليوم في موقع المسؤولية ومن كان بالأمس في موقع القرار. ومن يريد أن يفتح دفاتر الآخرين، عليه ألا يخشى فتح دفاتره هو أيضا.

وفي مقابل كل هذا، فإن الحركية التي تعرفها مكناس خلال المرحلة الحالية، وما يروج بشأن تسارع وتيرة عدد من الأوراش والمشاريع، تفرض على الأغلبية أن تقدم حصيلتها بالأرقام والآجال والنتائج، وأن تدرك أن العمل لا يمنحها حصانة من النقد. لكن من حق الساكنة أيضا أن تتساءل عن دوافع هذا الاستنفار السياسي، وهل يتعلق الأمر فعلا بقلق على مستقبل المدينة، أم أن اقتراب الاستحقاقات الجماعية بدأ يحرك حسابات انتخابية مبكرة؟ فالحق في المنافسة مكفول، والطموح إلى العودة لتدبير الجماعة مشروع، لكن ليس من حق أي حزب أن يبيع للمكناسيين خطابا أخلاقيا انتقائيا، أو أن يتعامل مع ذاكرتهم وكأنها قصيرة إلى هذا الحد.

والأغرب في البلاغ أنه يعلن تشكيل جبهة لإنقاذ المدينة من “التردي الذي يسيء لصورتها وتاريخها”، من دون أن يوضح للرأي العام ما الذي تقترحه هذه الجبهة عمليا، وما برنامجها وبدائلها، ومن هم حلفاؤها، وما حصيلة من يقفون وراءها حين كانت لهم سلطة القرار. بمعنى هل المطلوب فعلا إنقاذ مكناس، أم إنقاذ موقع سياسي بدأ يشعر بأن ميزان المنافسة يتغير؟ فالمدينة لا تحتاج إلى جبهة جديدة لتبادل الاتهامات، بل إلى معارضة تراقب بالأدلة، وأغلبية تشتغل وتحاسب، وأحزاب تقدم برامج قابلة للقياس بدل استهلاك الشعارات.

لقد آن الأوان لأن يدرك حزب العدالة والتنمية بمكناس أن زمن احتكار الحديث باسم النزاهة قد انتهى، وأن المكناسيين لا يحتاجون إلى من يلقنهم دروسا في الأخلاق السياسية بقدر ما يحتاجون إلى من يجيب عن أسئلتهم بشأن الحصيلة والإنجاز والمسؤولية. وإذا كان الحزب يريد العودة إلى واجهة التدبير الجماعي، فليبدأ بتقديم كشف حساب واضح عن تجربته السابقة، وليشرح للساكنة لماذا لم تستفد المدينة، بالقدر الذي كانت تنتظره، من مرحلة امتلك فيها الحزب مفاتيح الجماعة والحكومة معا.

أما تحويل كل نقاش إلى بلاغ، وكل خلاف إلى معركة أخلاقية، وكل مساءلة إلى اتهام بالاستهداف، فلن يصنع معارضة قوية، ولن يعيد الثقة في حزب يبدو أنه فقد البوصلة بين الدفاع عن مصالح المدينة والدفاع عن حساباته السياسية. فمكناس لا تحتاج اليوم إلى خطباء جدد فوق المنابر الحزبية، بل إلى سياسيين يملكون الشجاعة نفسها التي يطالبون بها الآخرين؛ شجاعة تقديم الوثائق، ومواجهة الأسئلة، وقبول المحاسبة دون انتقائية.

فإما أن تكون الشفافية مبدأ يسري على الجميع، وإما أن تظل مجرد جلباب سياسي يتم ارتداؤه عند الحاجة، وخلعه عند أول سؤال عن الحصيلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *