ابتزاز على مقاس “إل باييس”.. كيف تحول العجز الاستخباراتي الإسباني إلى مسرحية قضائية لاستهداف الأمن المغربي؟

في الوقت الذي ترزح فيه المعابر الحدودية الإسبانية تحت وطأة تخبط هيكلي وفشل أمني ذريع في إدارة الأزمات، تختار الدوائر الإعلامية والقضائية بالجارة الشمالية، وعلى رأسها صحيفة “إل باييس”، سياسة الهروب إلى الأمام عبر تقارير مسيسة تفتقر لأدنى شروط المهنية، حيث تتحول تدفقات الهجرة العرضية في إسبانيا بانتظام إلى “ورقة ابتزاز موسمي” تستخدمها أحزاب اليمين المتطرف والدوائر القضائية للضغط على المفوضية الأوروبية وانتزاع اعتمادات مالية إضافية مخصصة للملف الأمني المتوسطي.
فبدل مواجهة الإخفاقات البنيوية لأجهزتها الاستخباراتية، سارعت هذه المنابر إلى تحريف الحقائق ونشر تسريبات موجهة تحاول عبثا تحويل التواجد الميداني للقيادات الأمنية المغربية إلى “شبهة”، متجاوزة كل الأعراف المهنية لتصدير أزمات الداخل الإسباني وتغليط الرأي العام الأوروبي. فالنبش المتسارع في أرشيف الفيديوهات (من أصل العشرات من الأشرطة المفبركة أو المجتزأة) ومحاولة شخصنة الأحداث عبر استهداف مسؤوليين أمنيين بارزين بالاسم كوالي أمن تطوان محمد الوليدي ومسؤول الفنيدق عبد الفتاح السيد، ليس بريئا، بل يخفي خلفيات استخباراتية وسياسية مكشوفة تهدف إلى التغطية على العجز الميداني الفاضح للحرس المدني الإسباني في ضبط مجالاته الحدودية، والبحث المحموم عن كبش فداء يبرر أمام القضاء والمؤسسات الأوروبية حجم الضغط البشري الذي يعجز الأمن الإسباني عن احتوائه، وفق عقيدة قلب الحقائق التي تديرها دوائر ضغط تسعى لابتزاز الشريك المغربي متى تعثرت الأجندات الأمنية في الضفة المقابلة.
وما يعري زيف هذه التقارير هو تعاطيها المضلل مع الوقائع وتجزيئها الممنهج للأحداث، حيث إن حضور قيادات أمنية بحجم المسؤولين المغاربة ميدانيا ليس سوى تطبيق صارم للواجب المهني، وتمثيل حي لأعلى درجات اليقظة والمسؤولية في تأطير الحشود ومنع الفوضى التي تتربص بها شبكات الهجرة غير النظامية والاتجار بالبشر، بينما يختار القلم الإسباني المسيس ببرود مقصود طمس هذه الحقيقة ليصور التواجد الميداني المعتاد كقيادة موجهة، في انقلاب مفضوح على المفاهيم يعاقب فيه الأمني الكفء على تفانيه في حماية الحدود، وهو ما يجسد صارخا سياسة الكيل بمكيالين عبر مقارنة استقصائية تفضح الصمت التام لذات المنابر الإسبانية أمام التدخلات العنيفة وغير القانونية التي يمارسها الحرس المدني الإسباني في حق المهاجرين العزل على خط التماس.
وأمام هذه المناورات المكشوفة التي تتناسل على وقع تسريبات محكومة بأجندات سياسية ضيقة، يستوجب الأمر فضح هذا المخطط الذي يسعى إلى جعل المؤسسات الأمنية المغربية “شماعة” لتخفيف الضغط الداخلي في إسبانيا، فالمملكة لم تكن يوما “حارسا حدوديا” بالوكالة لأجندات الآخرين، بل تدير استراتيجيتها الأمنية من منطلق السيادة المطلقة والمصلحة الوطنية العليا، وهي الجهة التي تواجه وحدها كلفة التصدي لشبكات الجريمة العابرة للحدود بالنيابة عن قارة عجزت عن تأمين محيطها، مما يبرز سقوط ورقة التوت الاستخباراتي وانكشاف لجوء هذه الدوائر إلى التسريبات القضائية الموجهة عبر الصحافة كبديل عاجز عن تقديم أدلة قانونية رصينة أمام المحاكم الدولية، لتفقد بذلك تقارير “إل باييس” آخر وميض لمصداقيتها الأكاديمية والمهنية وتتحول إلى مجرد بوق للبروباغندا السياسية الضيقة.
وبالتالي فتحويل محاولات المنابر الإسبانية ومن خلفها الدوائر القضائية العمل الأمني النظامي إلى مسرحية اتهام لن تزيد المؤسسات المغربية إلا صرامة ومضيا في نهجها السيادي، بالمقابل كان حريا بالصحافة الإسبانية أن توجه عدسات تحقيقها نحو ثغرات أجهزتها وتقصيرها الهيكلي، بدل النفخ في رماد تسريبات بائسة لن تنجح في تلوين الحقيقة ولا في النيل من صلابة المؤسسات التي تحمي حدودها بوعي ومسؤولية تامة، بعيدا عن حسابات الابتزاز السياسي الرخيص.