نتائج الانتخابات التشريعية تضع الأصالة والمعاصرة أمام ثلاثة سيناريوهات لرسم ملامح الحكومة المقبلة

أعادت الانتخابات التشريعية الأخيرة رسم معالم المشهد السياسي المغربي على نحو جاوز مجرد إعادة توزيع المقاعد داخل قبة البرلمان، معلنة ميلاد مرحلة جديدة أفرزت تحولات عميقة في موازين القوى السياسية. فقد أفضى الاقتراع إلى تصدر حزب الأصالة والمعاصرة للنتائج، متسلما بذلك زمام المبادرة لقيادة السلطة التنفيذية، في مقابل تراجع ملموس لحزب التجمع الوطني للأحرار عن موقعه السابق. وبينما حافظ حزب الاستقلال على دوره المحوري كرقم صعب وركيزة أساسية في معادلة التوازنات المرتقبة، سجل حزب العدالة والتنمية عودة لافتة إلى الواجهة البرلمانية، بالتزامن مع استمرار الحضور المؤثر لأحزاب الحركة الشعبية والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية، وهو ما يمنح هذه القوى قدرة حقيقية على صياغة شكل الأغلبية المقبلة وتوجيه مسارها.
وبناء على هذه الخريطة المركبة، بات واضحا أن تصدر الانتخابات يمنح حق التكليف الدستوري بقيادة المفاوضات وفق مقتضيات الفصل 47 من الدستور، لكنه لا يضمن وحده امتلاك مفاتيح المشهد الحكومي، مما يجعل من تشكيل الأغلبية أول اختبار سياسي ودقيق للحزب المتصدر. وفي هذا السياق، يجد حزب الأصالة والمعاصرة نفسه أمام ثلاثة سيناريوهات أحلاها مرادفات لرسائل سياسية متباينة، أولها يكمن في بناء ائتلاف يجمعه بالاستقلال والحركة الشعبية والاتحاد الاشتراكي، وهو خيار يجسد قطيعة واضحة مع المرحلة السابقة عبر نقل مركز الثقل التنفيذي وإحالة قائد الحكومة المنتهية ولايته إلى صفوف المعارضة، فضلا عن أنه يخلق توازنا بين روافد يسارية ووسطية ومحافظة قادرة على استيعاب تطلعات مجتمعية مختلفة، وإن كان يضع الانسجام الحكومي أمام تحدي التوافق البرامجي وتجاوز منطق المحاصصة.
أما السيناريو الثاني، فيميل نحو خيار الاستمرارية من خلال الحفاظ على التكتل السابق المكون من الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار والاستقلال مع الاكتفاء بتدوير مواقع القيادة، وهو مسار يؤمن للتحالف أغلبية عددية مريحة تحت قبة البرلمان، إلا أنه يحمل كلفة سياسية تتجلى في ضبابية رسالة التغيير وإضعاف التعددية التي أفرزتها صناديق الاقتراع. وفي المقابل، يبرز سيناريو ثالث أكثر جرأة يتمثل في إقامة تحالف ثلاثي يجمع بين الأصالة والمعاصرة والاستقلال والعدالة والتنمية، ليشكل بذلك خطوة استثنائية لإعادة هيكلة المشهد عبر إدماج القوى العائدة إلى تدبير الشأن العام من موقع قوة جديدة، غير أن التباين الفكري والإيديولوجي بين هذه المكونات يفرض إجراء مراجعات عميقة وتنازلات قاسية للتوصل إلى برنامج حكومي مشترك.
وفي نهاية المطاف، تتجاوز مهمة الحزب المتصدر حدود التجميع الحسابي للمقاعد لتلامس جوهر المسؤولية السياسية والمثالية في بناء تحالف متماسك، إذ لن تكون طريقة اختيار الحلفاء مجرد إبداء لرغبات تفاوضية أو ترتيبات تقنية، بل ستشكل الهوية التأسيسية والرسالة الأولى للحكومة المرتقبة. ولأن الاستحقاق الانتخابي حسم ترتيب الأحزاب وترك الباب مفتوحا أمام مسارات متعددة لبناء السلطة والتوازنات مع معارضة مرشحة لأن تكون قوية ومؤثرة، فإن الأيام المقبلة ستكشف مدى قدرة الفاعلين السياسيين على تحويل المخرجات الانتخابية إلى مشروع حكومي مستدام يستجيب لمقتضيات هذه المرحلة الانتقالية المفصلية.