“وريونا فين كاينة المعيشة رخيصة”.. عندما يشتكي مهندس الميزانية من الغلاء الذي صاغ سياسته

في مشاهد سريالية سياسية تتكرر مع كل موسم انتخابي، أطل فوزي لقجع، الوزير المنتدب المكلف بالميزانية والقيادي بحزب الأصالة والمعاصرة، من مدينة فاس بعبارة تهكمية تختزل حجم الانفصام المؤسساتي والاستخفاف بذاكرة المواطنين، متسائلا: “وريونا فين كاينة هاد المعيشة رخيصة نمشيو نتقداو كاملين”.
فلو جاء هذا التهكم على لسان سياسي في صفوف المعارضة، لاعتبر مجرد مناورة انتخابية عادية، لكن خروجه من فم المسؤول المباشر عن مالية الدولة والمشرف الأول على سياستها الميزانياتية فهذا يمثل أوج الاستخفاف بذكاء الشارع المغربي، إذ كيف يعقل لمهندس الميزانية الذي أدار السياسات المالية وجفف القدرة الشرائية للطبقة المتوسطة والهشة أن يلبس اليوم جلباب الضحية، ويشتكي من الغلاء وكأنه ظاهرة قهرية لا يد له فيها؟
هذا وتفضح كلمة لقجع تهافتا بنيويا وتملصا صريحا من المسؤولية السياسية والمؤسساتية، حيث يعترف الرجل بكون غلاء الأسعار وتدهور المعيشة هما المعضلة الأساسية اليوم، لكنه ينقل المعركة نحو التباكي والهروب إلى الأمام من خلال بضاعة انتخابية جديدة مسجلة باسم الأصالة والمعاصرة، بدل تقديم كشف حساب وإبداء شجاعة الاعتذار عن الإخفاق الحكومي في حماية المواطن وكبح جموح التضخم والجشع.
تطرح العروض التي يقدمها القيادي الحزبي اليوم، من تخفيض الضريبة على الدخل إلى 20%، وإعفاء مستهلكي الكهرباء دون 100 درهم، وحماية حقوق المتقاعدين والأرامل، وضبط أرباح الوسطاء في سقف 10%، سؤالا استنكاريا مباشرا، ما الذي كان يمنع الوزراء الجالسين على كراسي القرار ومهندس ميزانيتهم من تنزيل هذه التدابير طيلة سنوات ولايتهم التنفيذية والتشريعية؟ لأن تسويق الحلول السحرية عشية الاقتراع يسقط الحزب في فخ الاعتراف الضمني بالفشل، ويكشف أوهام الوعود ذات الكلفة المالية الخيالية المحددة في 350 مليار درهم.
وتجاوز العبث حدوده المالية ليمتد نحو نسبة مشاريع الدولة المستمرة إلى أجندة حركية ضيقة، حيث تقدم المستشفيات الجامعية والمشاريع المائية والبرامج التكوينية والتكوينية وكأنها هبات حزبيّة، في الوقت الذي يرهق فيه المواطن بقرارات تصويت صريحة داخل القبة البرلمانية من وزراء ونواب البام أنفسهم.
ويصطدم ادعاء الحفاظ على سلامة المالية العمومية وحصر العجز في حدود 3% بتقديم إعفاءات ودعوم مالية مباشرة ضخمة، ليمثل ذلك معادلة مستحيلة في هندسة الاقتصاد والتسيير. وتتجسد الخلاصة في أن لقاء فاس أزال الستار عن تجلي التحول السريع للمسؤول التنفيذي صباحا إلى خطيب شعبوي مساء، عبر السعي لطمس الحصيلة الواقعية بشعارات للاستهلاك الانتخابي لا تسمن ولا تغني من جوع.