برنامج “البام” لانتخابات 2026.. وعود بـ 350 مليار درهم تثير اتهامات بـ “الشعبوية” وبيع الوهم

مع انطلاق العد العكسي للاستحقاقات التشريعية لسنة 2026، كشف حزب الأصالة والمعاصرة عن خطته الانتخابية المكونة من خمسة مواثيق و20 التزاما تم تغطيتها بوعود مالية ضخمة تناهز 350 مليار درهم. غير أن القراءة الفاحصة لبنية هذا العرض الاقتصادي والاجتماعي تكشف عن تهافت بنيوي، حيث يقدم الحزب وثيقة معزولة عن الواقع وتجربة التدبير الحكومي التي كان جزءا رئيسيا منها، ليتجلى البرنامج كوثيقة موجهة للاستهلاك الانتخابي المحض.

هذا وتتكئ البنية المالية للبرنامج على فرضية تمويل افتراضية تفترض تحقيق نسبة نمو اقتصادي سنوية تصل إلى 5% لتوفير الموارد الإضافية المطلوبة. وتتجاهل هذه الفرضية الهيكلية الواقع الماكرواقتصادي للمملكة المتمثل في توالي سنوات الجفاف، والتغيرات المناخية، والتقلبات الجيوسياسية الدولية، والضغط المستمر لنسب الدين العمومي. وبالتالي فرهن التزامات اجتماعية قارة مثل إعفاء أجور تصل إلى 15,000 درهم من ضريبة الدخل وتحديد سقف أدنى للمعاشات والدعم المباشر، بمعدلات نمو غير ضامنة يمثل شططا في التخمين الميزانياتي ومجازفة بالاستقرار المالي للدولة. بمعنى، الحديث عن إعفاءات ضريبية سخية ودعم مباشر متضخم في غياب إصلاح هيكلي شامل لمنظومة المقاصة وضبط الجباية، لا يعدو كونه “توزيعا لوهم الثروة” قبل خلقها.

وتبرز الفجوة الفكرية والسياسية في محاولة الحزب التنصل من حصيلته الحكومية المنصرمة. ففي الوقت الذي يتعهد فيه الحزب باستعادة القدرة الشرائية ومجانية فاتورة الكهرباء في حدود معينة، يغفل المتابع أن الحزب شغل مناصب وزارية قطاعية وازنة داخل التشكيلة الحكومية، وصوت وزراؤه وبرلمانيوه على قرارات أدت إلى ارتفاع معدلات التضخم وتراجع قدرة الفئات المتوسطة والهشة. هذه المزايدة الانتخابية تسقط الحزب في فخ الانفصام السياسي، حيث يمارس سلطة القرار صباحا لتمرير سياسات الغلاء، ويرتدي قبعة المعارضة الاجتماعية مساء لدغدغة عواطف الناخبين.

أما على مستوى آليات التنزيل، فتغيب خارطة الطريق التشريعية والمؤسساتية عن الالتزامات المعروضة، حيث يكتفي البرنامج بصياغة أهداف كمية فضفاضة من قبيل خلق مليون منصب شغل وإحداث صناديق ضمان بديلة، دون الاستناد إلى تقييمات ميزانياتية مستقلة أو تحديد آليات حكامة لمواجهة الاختلالات الهيكلية في أسواق التوزيع والتضارب المصالح. كما أن القفز على إشكالية تضارب المصالح واحتكار الأسواق، وهي المعضلة التي كبلت الاقتصاد الوطني خلال الولاية المنقضية، يجعل الوعود بإنعاش التشغيل والسكن مجرد مستحاثات شعاراتية تفتقد للإرادة السياسية الحقيقية للقطع مع ريع الشركاء.

ويعكس العرض الانتخابي الصادر عن حزب الأصالة والمعاصرة مأزقا بين التسويق السياسي الصرف ومقتضيات الحكم المسؤول، ليظل وثيقة تعبئة انتخابية تستهدف دغدغة العواطف الاجتماعية بعيدا عن صرامة التخطيط المالي والواقعية الاقتصادية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *