هكذا أسقط الحمامي “حروب الابتزاز” وصنع مفاجأة الوصافة بطنجة

لم تكن لحظة إيداع محمد الحمامي لملف ترشيحه وكيلا للائحة حزب الاستقلال بدائرة طنجة-أصيلة مجرد محطة إجرائية في أجندة الاستعداد للانتخابات التشريعية، بل شكلت بالأساس الإعلان الرسمي والعملي عن انكسار واحدة من أشرس معارك الاستنزاف السياسي التي شهدتها الساحة المحلية طيلة الولاية المنصرمة، والتي روج خلالها بكثافة لقصة نهاية المسار السياسي للرجل الملقب بـ”بيلدوزر الانتخابات”.
لقد عبر الحمامي ولاية انتدابية شاقة عاش على وقعها وسط ما يشبه الجحيم، حيث تم تسخير أدوات متعددة لإزاحته قسرا وإخراجه من الملعب السياسي قبل الأوان. ولم تقف المعركة عند حدود التنافس التقليدي، بل تجاوزتها إلى محاولات خنق مقاطعة بني مكادة عبر افتعال البلوكاج ومقاطعة أشغال دوراتها لفرض الأمر الواقع على السلطات الإقليمية، توازت مع حملات تشهير ممنهجة وتوظيف لملفات وتسريبات صوتية كان الهدف منها حشر الإدارة والدفع بها نحو تفعيل مسطرة العزل. غير أن هذا الكم المتواصل من الضغط والابتزاز السياسي قابله الحمامي باستراتيجية الصمت المطبق، مفضلا النفس الطويل والامتناع عن الانجرار نحو السجالات العقيمة، ليرهن وجوده السياسي حصريا بحكم صناديق الاقتراع.
وإذا كان هذا الصمود الصامت قد أثبت قدرته الميدانية على إحباط مخططات الإزاحة وحسم قرار القيادة المركزية لصالحه، فإن القراءة العميقة لهذه التزكية تتجاوز شخص وكيل اللائحة لتتجه نحو الهندسة التكتيكية التي صيغت بها القائمة، وتحديدا في التعاطي مع موقع الوصيف.
ففي الوقت الذي كرس فيه العرف الانتخابي التعامل مع المرتبة الثانية كعنصر شكلي لملء الفراغ التنظيمي أو ترضية الحساسيات الحزبية، جاء وضع رجل الأعمال عبد الحق نجار، أحد الأسماء البارزة في قطاع النقل الدولي للبضائع، في موقع الوصيف، ليقطع مع هذه الأدبيات ويتحول إلى محرك هجومي ثان داخل الدائرة.
وتكمن القوة التحليلية لهذه الهندسة في إحداث معادلة تكاملية غطت كل الثغرات التي كان يراهن الخصوم على اختراقها، بحيث مزجت بين الخزان الانتخابي الاجتماعي والرصيد الشعبي العريض للحمامي في معقله التاريخي ببني مكادة بـ”روح ولد الشعب”، وبين الوزن الاقتصادي والمالي لنجار في وسط رجال الأعمال والفاعلين الاستثماريين. وإلى جانب هذا الثنائي القائد، تعززت القائمة بأسماء ذات امتداد مجالي وحضري وقروي متوازن كعبد الحميد النسناسي، نور الدين المالكي، والغالي الزنطار، لتتحول القائمة من وضعية الدفاع عن شرعية الترشح إلى خوض معركة تصدر النتائج.
تؤكد هذه التجربة الميدانية أن المعارك الانتخابية الكبرى لا تحسم على المنصات الرقمية ولا في كواليس الشائعات، بل تبنى في تفاصيل القواعد وتكامل الخيارات. وبين حروب الإسقاط التي تهاوت وقوة التركيبة الجديدة للائحة “الميزان”، تعود دائرة طنجة-أصيلة لترسيم واقع سياسي جديد، يعيد فيه صندوق الاقتراع الاعتبار لمن أتقن الصمود الميداني وإعادة بناء المكاسب.