أزمة الهجرة نحو سبتة تعيد فتح ملف مستقبل الثغور المحتلة بين المغرب وإسبانيا

أعادت التداعيات التي خلفتها محاولات العبور الجماعي الأخيرة نحو مدينة سبتة المحتلة فتح ملف حساس وقديم في العلاقات المغربية الإسبانية، بعدما تجاوزت هذه الأزمة، بحسب تقارير وتحليلات نشرتها وسائل إعلام أوروبية، طابعها الأمني العابر، لتعيد طرح سؤال أعمق يتعلق بمستقبل سبتة ومليلية والجزر المحتلة المجاورة، في ظل ما تعتبره هذه القراءات كلفة أمنية ومالية متصاعدة يفرضها استمرار الوضع الراهن، دون أن يفضي ذلك إلى معالجة جذور التوتر المتكرر بين الضفتين.
وبحسب معطيات وردت في تقارير أوروبية وإسبانية، فإن تدفق آلاف المهاجرين سباحة نحو الشواطئ المحاذية لسبتة، وما تلا ذلك من جدل قضائي حاد في إسبانيا حول مدى قانونية إجراءات الإعادة الفورية للقادمين عبر البحر، كشف من جديد عن التعقيدات البنيوية التي تطرحها إدارة حدود تقع، من الناحية الجغرافية، فوق التراب الإفريقي وليس الأوروبي. كما أعاد هذا الجدل القضائي إلى الواجهة إشكالية التوفيق بين متطلبات تأمين الحدود من جهة، والالتزامات القانونية الدولية المرتبطة بحقوق الأشخاص الذين تطأ أقدامهم الأراضي الخاضعة للسيادة الإسبانية من جهة أخرى.
وفي هذا الإطار، عادت وسائل إعلام أوروبية إلى التذكير بالوضعية الاستثنائية التي تعرفها سبتة ومليلية، إلى جانب الجزر الخاضعة للإدارة الإسبانية، ومنها صخرة باديس، وجزر الحسيمة، والجزر الجعفرية، باعتبارها مناطق ظلت مرتبطة بإسبانيا منذ حقب تاريخية تمتد إلى القرنين الخامس عشر والسادس عشر. وشددت تحليلات أوروبية عديدة على أن استمرار هذا الوضع يبقى من بين الملفات الشائكة العالقة بين الرباط ومدريد، رغم ما شهدته العلاقات الثنائية بين البلدين من تحول ملحوظ خلال السنوات الأخيرة على مستويات أخرى.
وتتزامن هذه المستجدات مع استمرار الرباط في التأكيد على مطالبها التاريخية المتعلقة بالثغور الشمالية المحتلة، بموازاة تركيزها الدبلوماسي الأكبر على ملف الوحدة الترابية في الأقاليم الجنوبية للمملكة، وهو ما يجعل من تزامن الأزمات الحدودية والهجرية مع استمرار الخلاف القانوني والسيادي حول وضعية سبتة ومليلية عاملا يعيد فرض حضور هذا الملف، بشكل متصاعد، ضمن النقاش السياسي والإعلامي المواكب لمسار العلاقات بين المغرب وإسبانيا.
وتخلص تحليلات أوروبية إلى أن المقاربة الأمنية البحتة، رغم ما توفره من آليات للحد من تدفقات الهجرة غير النظامية ومحاربة شبكات التهريب والاتجار بالبشر، لم تفلح إلى حد الآن في معالجة الأسباب العميقة للإشكال. وتضيف هذه التحليلات أن استمرار الإنفاق المتزايد على تأمين الحدود، وتعزيز الحضور الأمني والعسكري داخل المدينتين، يطرح تساؤلات جدية حول مدى جدوى الإبقاء على الوضع الراهن على المدى الطويل، من الناحيتين الاقتصادية والاستراتيجية على حد سواء.
ومن هذا المنطلق بالذات، بدأت تبرز داخل أوساط قانونية وأكاديمية أوروبية أصوات تدعو إلى تجاوز منطق “إدارة الأزمات” المتكرر، والانتقال بدلا منه إلى معالجة جذور الخلاف بشكل مباشر، عبر إطلاق حوار سياسي ودبلوماسي جاد بين الرباط ومدريد، يمكن أن يفضي، على المدى المتوسط أو البعيد، إلى ترتيبات تفاوضية شاملة بخصوص مستقبل المدينتين والجزر المحتلة المجاورة لهما. وتربط هذه الطروحات نجاح أي تسوية محتملة مستقبلا بضمانات واضحة تشمل حقوق السكان المحليين، والحفاظ على المصالح الاقتصادية والأمنية لكلا الطرفين، إلى جانب وضع ترتيبات دقيقة ومتفق عليها بخصوص الحدود، والتبادل التجاري، وحركة تنقل الأشخاص بين الجانبين.
وتعتبر هذه المقاربات، في مجملها، أن إنهاء الوضع القائم حاليا، عبر مسار تفاوضي سياسي وقانوني متكامل، من شأنه أن يفتح الباب أمام إعادة صياغة جذرية للعلاقة بين المغرب وإسبانيا في منطقة مضيق جبل طارق ذات الأهمية الاستراتيجية، والانتقال بذلك من نمط تدبير الأزمات الدورية والمتكررة، إلى بناء شراكة أكثر استقرارا واستدامة في الملفات الأمنية والاقتصادية وملف الهجرة على حد سواء.
وهكذا، يعود ملف سبتة ومليلية مجددا إلى صدارة النقاش في العلاقات المغربية الإسبانية، هذه المرة من بوابة أزمة الهجرة الأخيرة، لكن ضمن سياق أوسع وأكثر عمقا يتجاوز حدود النقاش التقني المرتبط بتدبير الحدود، ليطرح سؤالا جوهريا يتعلق بمدى إمكانية استمرار الوضع الحالي لهاتين المدينتين، دون الشروع الجاد في معالجة أصل الخلاف السيادي وتحديد مستقبلهما بشكل نهائي وواضح.