مكناس تحت ساطور الهمجية.. حين ترعى الدولة الجهل ويذبح العقل في موسم “الشيخ الكامل”

بقلم | فؤاد السعدي
تأبي العاصمة الإسماعيلية مكناس، بتاريخها الضارب في عمق الحضارة المغربية ومعالمها الشاهقة، إلا أن تقع سنويا ضحية لمشهد مأساوي يسيء لكرامتها ونقائها، مشهد يطل مع كل ذكرى للمولد النبوي الشريف تحت مسمى موسم “الشيخ الكامل”. وبالتالي بدلا من أن تتحول هذه الذكرى إلى منارة للسكينة والسماع الصوفي الأنيق، يتم استباحة أزقة المدينة ومحيط ضريح الشيخ الهادي بنعيسى بطقوس موغلة في البدائية والتخلف والهمجية، ضاربة في العمق قيم الدين، أحكام القانون، والعقل الإنساني السليم.
هذا الواقع الأليم يتجاوز بكثير حدود الفلكلور الشعبوي أو العادات العابرة التي يمكن التغاضي عنها، ليتحول جهارا إلى مظاهرة مفتوحة للسادية والشعوذة. تتلاحق في جنباته مشاهد تقشعر لها الأبدان، من افتراس البهائم حية وبقر بطونها في الشارع العام، إلى كي الألسن للنيران، وشرب الماء المغلي، والتجذيب الهستيري الذي ينتهي بضرب الأجساد حتى الإدماء. هذه الشعائر الشاذة ترتكب تحت غطاء طلب “البركة” والتوسل بميت لا يملك لنفسه ولا لغيره نفعا ولا ضرا، في سلوكيات حادت تماما عن الجوهر الصوفي النقي الذي أرساها الشيخ بنعيسى القائم على أذكار السنة والقرآن.
وهنا يطرح السؤال نفسه بحدة حول الغاية من تغاضي أجهزة الدولة عن هذا التخلف، وبالتالي، كيف يستساغ تقديم هبات رسمية ورصد ميزانيات مالية لمواسم أضحت مرتعا للبدع؟ على اعتبار أن استمرار هذا الدعم اللوجستي يبعث برسائل متناقضة، ويجعل الفاعلين المحليين يرون فيه تزكية غير مباشرة لممارسات تجهيلية كان الحرص يقتضي محاربتها وتجفيف منابعها. كذلك لا يمكن فصل هذا الدعم اللوجستي والرسمي عن حالة الفراغ الميداني التي يخلفها غياب دور التوعية والتأطير الديني الرشيد الذي من المفروض أن تضطلع به وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، وكيف تترك الفضاءات العامة للدجل والبدع في وقت تحتاج فيه الأمة إلى حماية عقيدتها وترسيخ قيم التنوير؟
ولعل الأشد إيلاما في هذا السياق هو حالة الفصام الصارم في تطبيق القانون، ففي الوقت الذي يتم فيه تحريك المتابعات القضائية بحزم وتفعيل القوانين ضد كل من يسيء للحيوان أو يخل بالنظام العام في ظروف أخرى، كما تجسد بوضوح في الصرامة القضائية التي طالت حالات فردية لصناع محتوى من طينة “بن نسناس”، يظهر صمت مريب وتغاض غير مفهوم أمام هذه الجرائم العلنية التي ترتكب بمناسبة الموسم. ومع تزايد التساؤلات المستغربة حول هذا التناقض الصارخ، يرتفع الصوت عاليا، أين هي جمعيات الرفق بالحيوان؟ وأين التفعيل الصارم لمقتضيات القانون الجنائي الذي يجرم العنف وإيذاء الذات والحيوان؟ على اعتبار أن إسباغ غطاء الخصوصية الطائفية أو الرعاية المادية واللوجستية على هذه التجاوزات لا يمكن إلا أن يرسخ الجهل، ويمنح الشرعية لخرافات تجاوزها الزمن.
وما يزيد من مرارة هذا الوضع هو حقيقة أن المكناسيين تنفسوا الصعداء خلال السنوات الأخيرة عندما خفت وتيرة هذه المظاهر وتراجعت حدتها، وظن الجميع أن المدينة تتجه نحو قطع نهائي مع هذا التخلف، غير أن عودتها هذه السنة بتلك القوة والوحشية شكلت صدمة كبيرة للساكنة وللرأي العام المحلي، الذي استشعر انتكاسة حقيقية في مسار تطوير المشهد الثقافي والحضاري للمدينة. وتتجلى خطورة هذه العودة الحادة في تزامنها مع ظرفية سياسية وطنية حساسة، حيث تعيش البلاد على إيقاع استحقاقات انتخابية ومحطات مصيرية، ليطرح المشهد علامات استفهام مقلقة حول ما إذا كانت هناك سياسة ممنهجة للإلهاء، يراد من خلالها إغراق شبكات التواصل الاجتماعي بمشاهد الهمجية والبدع لتغييب العقول وصرف الأنظار عن القضايا التنموية والسياسية الحقيقية.
وليس التعلل الواهي بكون هذه الطقوس تفريغا نفسيا لإكراهات الواقع أو علاجا للمس، سوى وجه آخر لشرعنة هذا الخلل، بحيث يكرس غسيل الأدمغة وتسطيح وعي الفئات الهشة التي تساق نحو إلغاء العقل واستبدال مؤسسات الدولة الصحية والقضائية بدجل الزوايا والأضرحة.
ومن رحم هذا الوعي بالخطر، تبرز الضرورة الملحة لتحمل كافة الأطراف مسؤولياتها التاريخية، من سلطات محلية ومؤسسات دينية ونخب فكرية وجامعية. على اعتبار أن مدينة مكناس اليوم لا تحتاج إلى إعادة إنتاج البدع والهمجية بالشارع العام، بل هي بحاجة ماسة إلى التنوير، التنمية، وإعادة الاعتبار لهيبتها الحضارية. ويظل الحسم الفوري في منع كافة الممارسات الشاذة التي تمس بالسلامة الجسدية والحيوانية، وتحويل هذه المناسبة إلى مهرجان ثماني وروحاني راق يعكس الوجه المشرق للمغرب وللعاصمة الإسماعيلية، الكفيل وحده بصيانة كرامة الإنسان وسيادة القانون.