احتدام الصراع بين “الأحرار” و”البام” على وقع الترحال البرلماني يهدد الأغلبية الحكومية قبل انتخابات 23 شتنبر

تشهد الساحة الحزبية المغربية، على بعد أقل من شهر من موعد الانتخابات التشريعية المقررة يوم 23 شتنبر المقبل، تصعيدا غير مسبوق في حدة الصراع بين حزبي التجمع الوطني للأحرار وأصالة ومعاصرة، وهما الحليفان داخل التحالف الحكومي، بعدما تحول الخلاف بينهما من مجرد تباينات سياسية عادية إلى ما يشبه حرب استنزاف مفتوحة، تهدد بتفكيك الأغلبية الحكومية قبل نهاية ولايتها.
ويعود جوهر هذا التصعيد إلى موجة انتقالات طالت عددا من برلمانيي حزب الأحرار نحو حزب “البام“، في سياق وصف بـ”الميركاتو السياسي”، وهي عملية استقطاب شملت حتى بعض المنتخبين الذين سبق أن حظوا بتزكية حزبهم الأصلي لخوض الانتخابات المقبلة في دوائرهم المحلية، الأمر الذي دفع قيادة التجمع الوطني للأحرار إلى إصدار بلاغ رسمي شديد اللهجة، اتهمت فيه حزب أصالة ومعاصرة بممارسة ما وصفته بالعبث السياسي في حق تنظيمها ومنتسبيها.
وزاد من تعقيد المشهد تسريب صوتي منسوب إلى راشيد الطالبي العلمي، أحد أبرز قياديي حزب الأحرار، تضمن انتقادات لاذعة وجهها خلال اجتماع مغلق للمكتب السياسي لشخص فوزي لقجع، الذي يجمع بين عدة مواقع نافذة، وزيرا للميزانية، ورئيسا لمؤسسة “مغرب 2030” المكلفة بالإعداد لمونديال 2030، ورئيسا للجامعة الملكية لكرة القدم، ومشرفا على تدبير صندوق ضخم للتنمية المندمجة تقدر قيمته بـ21 ألف مليار سنتيم، وهو تسريب أحدث ارتباكا واضحا داخل الأوساط الحزبية.
وأكد المكتب السياسي لحزب الأحرار، في بلاغه الصادر عقب اجتماعه بالرباط، أن محاولات استمالة أطره ومنتخبيه لم تعد تقتصر على البرلمانيين والمنتخبين الترابيين، بل طالت أيضا أحد أعضاء جهازه القيادي الأعلى، معتبرا أن تكرار هذه الحالات وتشابه الأساليب المعتمدة فيها ينقل الأمر من خانة الوقائع الفردية المعزولة إلى مستوى يمس استقلالية الأحزاب وأعرافها التنظيمية، ويتجاوز منطق الترحال السياسي المتعارف عليه.
وتبقى الإشارة إلى أن هذا التصعيد يفضح، إلى جانب الصراع الظرفي على المقاعد والدوائر، أزمة أعمق تتعلق بغياب مدونة أخلاقية صارمة تؤطر عملية الترحال البرلماني بين الأحزاب المغربية، وهي ظاهرة تتكرر عشية كل استحقاق انتخابي دون أن تجد طريقها إلى معالجة تشريعية حاسمة، رغم النقاشات المتكررة حول ضرورة تقييد نزيف الانتقالات الحزبية بقوانين أكثر صرامة تحمي الإرادة الانتخابية للناخبين الذين صوتوا أصلا على أساس انتماء حزبي معين.
وفي مقابل تمسك حزب الأحرار بخوض المنافسة الانتخابية بناء على حصيلته وبرنامجه دون اللجوء إلى أساليب مماثلة لاستقطاب مرشحين من أحزاب أخرى، فتح قياديوه، وعلى رأسهم محمد أوجار، جبهة صراع موازية مع باقي حلفائه في الأغلبية، وخاصة حزبي الاستقلال وأصالة ومعاصرة، متهما إياهما بالتنصل من تحمل المسؤولية السياسية عن حصيلة العمل الحكومي المشترك، وهو ما يكشف عن تصدع أوسع يطال بنية التحالف الحكومي ككل، وليس فقط العلاقة الثنائية بين “الأحرار” و”البام”.
ويظل التخوف قائما من أن يفضي استمرار هذا الاحتقان، في ظل اقتراب موعد الاقتراع، إلى انعكاسات سلبية على صورة الممارسة السياسية لدى الرأي العام، خاصة أن تصريحات الطالبي العلمي التي شبه فيها الترحال البرلماني بسوق الميركاتو الكروي، حتى وإن جاءت في سياق ساخر، تعكس بشكل ضمني إقرارا بوجود ممارسات ضغط وترغيب وترهيب داخل المطبخ السياسي الداخلي، وهو ما قد يغذي مزيدا من العزوف لدى الناخبين الذين يتابعون هذا الصراع على الكراسي أكثر من متابعتهم للبرامج والمشاريع التي يفترض أن تكون محور المنافسة الانتخابية الحقيقية.