من السجال الإعلامي إلى التلاحم المؤسساتي.. كيف كشفت حملة “هسبريس” عن سر نجاح تجربة مكناس؟

بقلم | فؤاد السعدي
تعلمنا قواعد العلوم السياسية والإعلامية أن الرشقات التي تستهدف التجارب الناجحة غالبا ما تخطئ مرماها حين تصطدم بصخرة الواقع الميداني الملموس. وما شهدته مدينة مكناس خلال الأيام الأخيرة من إنزال إعلامي مكثف عبر منصة “هسبريس”، لم يكن سوى تجسيد صريح لهذه القاعدة، حيث انقلبت محاولة التشويش إلى حسنة كبرى نشرت ضوءا كاشفا على استثناء تنموي يجسد الانسجام التام بين السلطة الترابية والسلطة المنتخبة.
لقد اختارت التغطيات المشار إليها زاوية المعالجة أحادية الجانب، عبر استهداف منتقى للنقاط السوداء، وترصد المواقع التي لم تصلها الأوراش بعد، والترويج لصور تراكم الأزبال، فضلا عن استجواب معارضين ومحسوبين على جيوب الممانعة ممن يقرؤون مواقفهم من أوراق معدة سلفا لمزايدات فارغة. هم فاعلون يمارسون السياسة دون أن يستوعبوا المعنى الحقيقي للمعارضة النبيلة، ممتلكين تصورات تبنى على منطق الشخصنة الضيق بعيدا عن المصلحة العامة للمدينة، ومفتقدين لأبسط دراية بالملفات مع التحرك خارج نطاق التغطية الواقعية.
وهنا تبرز الضرورة للتذكير بأبجديات النشر الصحفي الرصين، حيث تقتضي الممارسة المهنية والأخلاقية الالتزام الكامل بالموضوعية وقواعد التوازن، والابتعاد عن التغطيات أحادية الجانب التي قد تستغل في سياقات التجاذب التنافسي. لإن الانزلاق نحو المعالجة الانطباعية يضعف القيمة الإخبارية للمادة الصحفية أمام الرأي العام، ويحرم القارئ من الاطلاع على الصورة التنموية الشاملة بجميع أبعادها.
غير أن هذا التوظيف المفضوح للتوقيت، والذي يتزامن مع التحضيرات للانتخابات التشريعية وإعلان رئيس المجلس الجماعي، العباس الومغاري، نيته الترشح باسم حزب الاتحاد الدستوري، كشف الخيوط التوجيهية والخفية للحملة ومن يقفون خلفها ممن أزعجهم سحب البساط من تحت قلاعهم السياسية بعدما نالوا سخط الشارع المكناسي. وبالتالي فأسلوب الاستقواء بمنابر إعلامية واستهداف هذه التجربة هو سلوك يضر بالدرجة الأولى بسمعة المدينة ويسعى لتشويه صورتها، وهو أمر لا يكترث له أصحاب هذه الأجندات الخفية لأن هدفهم الوحيد يقتصر على نيل “رأس الرئيس” وتعطيل مسار الإنجاز. غير أن هذه الجهات المتخفية وراء رداء السياسة أصبحت مكشوفة تماما أمام وعي الساكنة.
لكن المثير في هذه الهجمة هو مفعولها العكسي، على اعتبار أنها كانت سببا مباشرا في لفت الأنظار الوطنية نحو تجربة ميدانية حثيثة لم تتجاوز 650 يوما من العمل الصامت والمنظم والفعال. تجربة اقتطفت الساكنة ثمارها واقعا حيا تتجلى مظاهره الملموسة في إعادة الروح لغابة الشباب والحزام الأخضر كمتنفسات بيئية، وتأهيل الشرايين الكبرى مثل شارع محمد السادس بفخامته المعهودة، وشارع السعديين، وتحديث الطريق الوطنية 13 كبوابة شرقية، ناهيك عن الانطلاقة المرتقبة لشارعي النصر والديغوسي، وتزيين قلب المدينة بخمس نافورات من الطراز العصري، وصولا إلى مشروع الملعب الكبير والتحول الملموس في أحياء العثمانية والشهدية وسيدي بلال.
ولن تتوقف هذه الحركية عند هذا الحد، بل ستطال أحياء أخرى في إطار برنامج شامل لتهيئة الأحياء ناقصة التجهيز، إلى جانب مشاريع واعدة في الطريق سترى النور قريبا وقبل إسدال الستار على الولاية الجماعية الحالية. لقد استطاع الومغاري أن ينجز في هذا الزمن الوجيز ما عجزت مجالس متعاقبة عن تحقيقه في ولايات كاملة، برغم حملات التشويش والتبخيس والضرب تحت الحزام، ورغم قيادته لأغلبية هجينة كما وكيفا، حيث تمكن بكل حكمة من الحفاظ على الاستقرار السياسي والإداري داخل المجلس وضمان استمرارية عجلة المشاريع.
ولم يكن هذا التحول الميداني مجرد أوراش عمرانية عابرة، بل جاء كترجمة ميدانية واعية للرؤية الملكية السامية، فقد استوعبت القوى الحية بالمدينة رسائل جلالة الملك محمد السادس الصريحة حول رفض واقع “مغرب بسرعتين”، واختارت مكناس بوضوح أن تسير بسرعة واحدة تنموية تتكامل فيها الشرايين الطرقية الكبرى مع الأحياء الهامشية وناقصة التجهيز.
وقد شكل الخطاب الملكي مصدر إلهام مباشر لآليات التحرك والتنسيق بين السلطتين الترابية والمنتخبة، ليُترجم في الميدان بأسلوب جديد في تدبير الشأن العام، حيث تجسدت “مسؤولية القرب” في أبهى صورها من خلال الجولات الميدانية المتواصلة للرجل الترابي الأول بالمدينة، العامل عبد الغني الصبار، الذي نزع الرداء البروتوكولي التقليدي لينزل شخصيا لتفقد الأسواق، ومتابعة المشاريع، والوقوف على انشغالات المواطنين في مختلف أرجاء مكناس.
وهذا التناغم المؤسساتي الاستثنائي بين سلطة منتخبة يقودها الومغاري برؤية ديناميكية، وسلطة ترابية يقودها عامل الإقليم عبد الغني الصبار بحنكة ورزانة رجال الدولة، هو السر الحقيقي الذي أربك حسابات المشوشين وأرعب الماكينات التقليدية. هذا الانسجام البناء، الذي احترم فيه كل طرف اختصاصاته دون تغول أو تجاوز، أثمر سرعة قياسية في تذليل العقبات الإدارية وتنزيل المشاريع، ليعيد إلى مكناس هيبتها ويزيح عنها سنوات طويلة من التهميش والبلوكاج التنموي.
لقد أراد المهندسون لهذه الحملة تبخيس الحصيلة وإضعاف الخصوم السياسيين، فأسدوا خدمة غير مقصودة للمدينة، حيث أثبتت هذه الضجة أن الرد الأقوى على التشويش ليس بالسجالات، بل بالنتائج التي تنبض بها مكناس يوميا. وتظل هذه التجربة النموذجية في التنسيق والحكامة بين السلطتين نبراسا يحتذى به لكل مدن المملكة، وبرهانا ساطعا على أن ثقة الساكنة تبنى في الميدان لا عبر شاشات الأجندات الموجهة.