بركان.. إعفاء إمام من الخطابة بسبب دعوته الدولة لتوفير الشغل والصحة والتعليم للشباب يثير موجة استنكار واسعة

أصدر أحمد التوفيق، وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، قرارا بتوقيف إمام مسجد بمدينة بركان عن أداء مهامه، على خلفية مضمون خطبة جمعة تطرق فيها إلى قضية الهجرة غير النظامية وسط الشباب، داعيا الدولة إلى تحمل مسؤوليتها في توفير فرص الشغل والصحة والتعليم كسبيل لمواجهة هذه الظاهرة، وهو قرار خلف موجة من الاستنكار والتساؤلات في أوساط عدد من المتتبعين للشأن الديني والاجتماعي بالمغرب.
وبالرجوع إلى مضمون المقطع المتداول من الخطبة، والذي كان سببا مباشرا في هذا الإعفاء، يتضح أنه لم يتضمن أي خطاب سياسي مباشر، ولا تحاملا على مؤسسات الدولة، ولا حتى دعوة صريحة أو ضمنية للهجرة، خلافا لما تم الترويج له في بعض القراءات التي واكبت القرار، بل جاء مضمون الخطبة متوازنا في طرحه، إذ لم يقتصر الإمام على إلقاء المسؤولية كاملة على عاتق الدولة، بل وزعها بشكل موضوعي بين مؤسسات الدولة من جهة، والأسر والشباب أنفسهم من جهة أخرى، فيما يخص التصدي لظاهرة الهجرة غير النظامية.
هذا وجانب قرار الوزارة بإعفاء الإمام الصواب في جوهره، ذلك أن ما تضمنته الخطبة لا يعدو أن يكون توصيفا واقعيا لأسباب معروفة ومتداولة في النقاش العمومي المغربي منذ سنوات، وهي غياب فرص الشغل، وضعف الخدمات الصحية، واختلالات المنظومة التعليمية، باعتبارها من أبرز العوامل الدافعة للشباب نحو التفكير في الهجرة، وهي حقائق سبق أن تطرقت إليها تقارير رسمية ومؤسساتية، ومنابر إعلامية، ونقاشات برلمانية، دون أن يثار حولها أي جدل مماثل.
ويطرح هذا القرار تساؤلات مشروعة حول حدود الخطاب المسموح به داخل المنابر الدينية، خصوصا أن المنبر الديني، تاريخيا ووظيفيا، لم يكن يوما بمعزل عن قضايا المجتمع وهمومه، بل كان على الدوام فضاء للتوجيه والإرشاد ومعالجة الإشكالات التي تمس حياة الناس اليومية، بما فيها قضايا الشغل والفقر والهجرة، طالما التزم الخطاب بالموضوعية والاتزان، وهو ما يبدو متوفرا في مضمون الخطبة موضوع الجدل.
وفي غياب توضيح رسمي دقيق من الوزارة الوصية، فإن مثل هذا التوقيف قد يُفهم منه وكأن الحديث عن قضايا اجتماعية حساسة كالشغل والصحة والتعليم بات من الطابوهات داخل المنابر الدينية، وهو تصور قد يضر أكثر مما ينفع بصورة الخطاب الديني الرسمي، ويجعله بعيدا عن هموم المواطنين اليومية، في وقت تحتاج فيه المؤسسة الدينية إلى تعزيز حضورها كفاعل تربوي وتوجيهي منسجم مع واقع المجتمع لا منفصل عنه.
وتزداد وجاهة هذا الطرح استحضاراً للمقولة المأثورة “الساكت عن الحق شيطان أخرس”، إذ إن الإمام، بحسب ما يتيحه مضمون خطبته، لم يفعل سوى تذكير الجميع، دولة ومجتمعا، بمسؤوليا⅔تهم المشتركة تجاه قضية مصيرية تهم مستقبل الشباب المغربي، وهو ما كان يفترض أن يُقابل بالتفاعل الإيجابي والانفتاح على النقاش، بدل اللجوء إلى إجراء زجري قد يُقرأ من طرف البعض على أنه تضييق على حرية التعبير عن هموم اجتماعية مشروعة داخل فضاء المسجد.
ولم تصدر عن وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، إلى حدود الآن، أي توضيحات رسمية إضافية بخصوص الأسباب الدقيقة والمعايير التي استند إليها القرار، وهو ما يبقي الباب مفتوحاً أمام تأويلات متعددة، وسط دعوات متزايدة إلى ضرورة مراجعة هذا القرار، وفتح نقاش هادئ وموضوعي حول حدود ومضامين الخطاب الديني في علاقته بالقضايا الاجتماعية الملحة التي تشغل بال المغاربة، وعلى رأسها ملف الهجرة وأسبابها العميقة.