محل شواء عشوائي يتحدى قرارات الجماعة ويغرق سكان شارع محمد السادس في الدخان والضجيج

تواصل الجدلية القائمة حول إعادة تأهيل الفضاءات العمومية بمدينة مكناس طرح أكثر من علامة استفهام، بعدما أصبحت التهيئة العصرية لشارع محمد السادس، التي كلف تنفيذها ميزانية ضخمة من المال العام للارتقاء بالتنسيق الحضري للمدينة الإسماعيلية، تصطدم بوجه قاتم ينسف جهود التنمية، حيث يجد المارة والساكنة أنفسهم أمام مشهد أقرب إلى “مجزرة” مفتوحة ومحلات شواء غير قانونية تنشط في قلب الشارع، في ضرب صارخ لدفاتر التحملات وشروط النظافة والسلامة الصحية.
ويتجاوز الإشكال حدود الفوضى التجارية ليطال معضلة الامتثال للضوابط الإدارية، إذ تبين أن نشاط الجزارة المعني يشتغل برخصة قانونية، في حين تمارس أنشطة “الشواية” الملحقة به خارج أي إطار ترخيصي. ورغم خطورة هذا الخرق، يظل الوضع على حاله دون تحرك حاسم، في وقت يفترض فيه على نواب رئيس الجماعة والمصالح الجماعية المختصة اتخاذ المتعين حازما لإصدار قرارات المنع والحد من هذا العبث حماية للقوانين ورونق الشارع.
وكشفت المعطيات أن صاحب المحل نفسه يرتبط بسلسلة من الشكايات المحررة من طرف متضررين ومواطنين، من ضمنهم مغاربة مقيمون بالخارج، وجهت إلى مصالح وزارة الداخلية وعمالة مكناس، دون أن تسفر تلك المساطر عن تحرك ميداني ينهي المخالفات المتكررة.
ويستدعي هذا المشهد العشوائي العودة إلى أصل الاستثمار العمومي، فالتهيئة الحضرية ليست مجرد تعبيد طرق وتزيين واجهات، بل هي استثمار يسعى لاستقطاب المشاريع والنهوض بالسياحة المحلية. غير أن تحول شارع رئيسي وبمثابة واجهة للمدينة إلى بؤرة فوضى يفشل الأهداف الاستراتيجية لعمليات التأهيل الحضري، ويجعل الملايين المخصصة للمشاريع تنتهي كاستثمار مالي بلا عائد تنموي، مما يفقد المدينة الإسماعيلية قدرتها على التنافس الحضري مع باقي المدن الكبرى.
وامتدادا لهذا التخبط الميداني، تبرز أزمة التقاعس عن تحريك المساطر القانونية، فورغم الشكايات والتنبهات المتكررة، لم تتدخل المصالح الجماعية بعد لإصدار قرار منع يسترد هيبة القانون. وهنا يطرح السؤال الجوهري نفسه بحدة، هل يعكس هذا الصمت الإداري وتأخر نواب رئيس الجماعة في اتخاذ المتعين محاولة لذر الرماد في العيون والتنصل من المسؤولية؟ أم أن التلكؤ حاصل أيضا على مستوى الملحقة الإدارية والسلطة المحلية التي تغض الطرف عن الخرق الميداني دون فتح تحقيق؟ أم إن صاحب هذا المحل ومبطل هذه الفوضى بات يرى نفسه شخصا فوق القانون ولا تقوى الأجهزة الإدارية على الوقوف ضد عبثه، إذ لا يعقل منطقيا أن تتراكم كل هذه الشكايات الرسمية دون أن تتحرك أي جهة لإعادة الأمور إلى نصابها؟
ولا يقف ضرر هذا النشاط العشوائي عند حدود المساس بالقوانين، بل يتجسد يوميا في معاناة حقيقية يعيشها السكان المجاورون، حيث يتسبب هذا الشواء في تصاعد كثيف للأدخنة والروائح النافذة التي تتسرب مباشرة إلى داخل الشقق والمنازل السكنية، ناهيك عن استمرار النشاط إلى ساعات متأخرة من الليل وما يرافقه من ضجيج وصخب وفوضى تتواصل حتى وقت متأخر، في ضرب صارخ لراحة المواطنين وحقهم في السكينة، وهو ما يضع علامة استفهام عريضة ومباشرة، أين هو قائد الملحقة الإدارية المعنية من كل هذا العبث اليومي الذي يحدث تحت أنظار الجميع؟
ويتضاعف الاستغراب حين يتكرر اسم المخالف نفسه في عدة ملفات وشكايات وجهت رسميا إلى عمالة مكناس ووزارة الداخلية من طرف المواطنين والجالية، دون أن تحرك هذه المؤسسات ساكنا، مما يكرس انطباعا خطيرا بوجود محاباة أو خط أحمر يحمي صاحب المحل ويجعله محصنا ضد القانون والمحاسبة.
ويظل السؤال معلقا بانتظار تدخل عاجل وحاسم من عمالة مكناس والمصالح الجماعية لاتخاذ المتعين وإصدار قرارات المنع الفورية، من يحمي هذا الخرق الداعم للفوضى؟ ولماذا تتقاعس السلطات عن فرض احترام الضوابط الجاري بها العمل؟ إن وضع حد لهذا “العبث” لم يعد مجرد مطلب لجمالية الشارع، بل اختباراً حقيقياً لمدى تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة وسيادة القانون على الجميع دون استثناء.