فضيحة بمكناس.. “العمران” تبيع الأرض بثلاثة أضعاف ثمنها وتحمل المستفيدين ديونها الضريبية

يعيش حي سيدي بوزكري بمدينة مكناس على وقع ملف عقاري خطير، يعري ممارسات تم وصفها بالابتزاز الإداري، طالت العشرات من الأسر المستفيدة من تجزئة “الازدهار”، التي أنجزتها شركة العمران على عقار اقتنته من أملاك الأوقاف، في عملية كان من المفروض أن تحمل طابعا اجتماعيا، قبل أن تتكشف تفاصيلها الحقيقية عن مسلسل من التلاعب المالي على حساب مواطنين بسطاء، في وضح النهار وتحت غطاء رسمي.
فقد اقتنت شركة العمران هكتارات من الأراضي التابعة لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بثمن زهيد لم يتجاوز 400 درهم للمتر المربع الواحد، لتقوم بتجهيزها وتجزئتها ضمن ما يعرف بتجزئة “الازدهار”، والتي جرى توزيع قطعها الأرضية في عملية رسمية وفي مشهد أريد له أن يظهر بمظهر الإنجاز الاجتماعي الناجح لفائدة الأسر محدودة الدخل. غير أن خلف هذا المشهد الرسمي، تخفي العملية حسابات مالية دقيقة لم تكن في صالح المستفيدين بأي شكل من الأشكال، فبينما اشترت العمران المتر المربع الواحد بـ400 درهم من الأوقاف، أعادت بيعه للمستفيدين بعد التجهيز بثمن وصل إلى ما يزيد عن 1000 درهم للمتر المربع، أي بثلاثة أضعاف الثمن الأصلي تقريبا، لتحصل كل أسرة مستفيدة من بقعة أرضية لا تتجاوز مساحتها 80 مترا مربعا على استفادة كلفتها ما بين 9 و10 ملايين سنتيم، وهو مبلغ ضخم بالنسبة لفئة من المفروض أنها الفئة المستهدفة بالدعم الاجتماعي.
الأخطر من ذلك، أن العمران لم تكتف بهذا الهامش الربحي المريح من بيع القطع للمستفيدين، بل خصصت ثلثي مساحة نفس العقار المقتنى من الأوقاف للبيع للخواص بأثمنة صاروخية تراوحت بين 4000 و5000 درهم للمتر المربع، أي ما بين عشرة وثلاثة عشر ضعفا لثمن الشراء الأصلي، لتخرج من العملية برمتها الرابح الأوحد والأكبر، فيما اقتصر الدعم الاجتماعي المزعوم على جزء يسير من العقار، ولم يكن حتى هذا الجزء مجانيا كما يتم الترويج له.
ووسط هذا المسار الذي حقق فيه العمران أرباحا مضاعفة من كل الجهات، تبرز الفضيحة الأخطر في هذا الملف، والمتمثلة في تنصل الشركة من أداء الضريبة على الأراضي الحضرية غير المبنية المستحقة لفائدة جماعة مكناس، وتحميلها بشكل مباشر للمستفيدين من القطع الأرضية، في مبلغ إجمالي يتجاوز 100 مليون سنتيم. ووثائق رسمية حصل عليها موقع “المستقل” تؤكد هذا التلاعب بشكل قاطع لا يقبل التأويل، حيث تظهر وصولات أداء صادرة عن قابض جماعة مكناس، تخص قطعا أرضية من نفس التجزئة، أن اسم شركة العمران فاس هو الاسم المسجل رسميا وبشكل صريح في خانة المدين بالضريبة، وليس اسم أي مستفيد من المستفيدين.
هذا التسجيل الرسمي يثبت بشكل قاطع أن الدين الجبائي مقيد بشكل قانوني في سجلات جماعة مكناس باسم شركة العمران وحدها، ومع ذلك، تكشف وثيقة أخرى، هي إقرار بامتلاك أرض حضرية غير مبنية، أن أحد المستفيدين هو من بادر بنفسه إلى التصريح الضريبي المتعلق بنفس القطعة الأرضية بالضبط التي يظهر رقمها ورسمها العقاري مطابقا تماما لما هو وارد في وصل الأداء المسجل باسم العمران، محددا حصته في الملكية الشائعة بنسبة النصف، أي أنه هو من يؤدي، أو من المفترض أن يؤدي، دينا مسجلا قانونيا باسم شركة أخرى غير اسمه.
وهذا التطابق الموثق بين رقم القطعة والرسم العقاري في وصل الأداء المسجل باسم العمران، وفي إقرار المستفيد الشخصي بنفس القطعة، ليس مجرد صدفة إدارية، بل دليل مادي على أن المستفيدين يجدون أنفسهم مجبرين على سداد ديون ضريبية لا تخصهم قانونا، تحت طائلة عدم استكمال مسطرة الاستفادة من قطعهم الأرضية، في ممارسة تقلب المنطق القانوني رأسا على عقب. على اعتبار أن القاعدة القانونية في هذا الباب واضحة لا لبس فيها، بحيث تبقى الضريبة على الأراضي الحضرية غير المبنية، عند كل عملية بيع أو تفويت، من مسؤولية البائع الذي كان يملك العقار خلال الفترة موضوع فرض الضريبة، وليس من مسؤولية المشتري الجديد، وبما أن شركة العمران هي المالكة الأصلية للعقار قبل تفويته للمستفيدين، فإنها هي الملزمة قانونا وحصريا بأداء هذا الدين، لا المستفيدون الذين لا تربطهم بجماعة مكناس أي علاقة تعاقدية مباشرة بخصوص هذه الضريبة بالذات. ومع ذلك، يجد المستفيد نفسه، بحسب الوثائق، مضطرا لأداء مبلغ مقيد باسم شركة أخرى، ليتوصل بوصل أداء يحمل اسم “العمران” لا اسمه الشخصي، في سابقة إدارية خطيرة تشرعن، عمليا، لمبدأ “من يريد الاستفادة عليه أن يدفع، بغض النظر عمن يقع عليه الالتزام القانوني”.
وتكشف الوثائق تفصيلا آخر لا يقل خطورة، حيث يظهر أحد وصولات الأداء احتساب زيادة وغرامة تأخير عن سنة سابقة لم يتم سدادها في أوانها القانوني، ما يطرح سؤالا إضافيا وجوهريا حول الجهة المسؤولة عن هذا التأخر في الأداء، وهل ستلقى هذه الغرامات الإضافية، الناتجة عن تقصير إداري أو مالي من طرف العمران في التصريح بالضريبة في وقتها، على عاتق المستفيدين أيضا، تماما كما حدث مع أصل الدين.
وفي ضوء كل هذه المعطيات الموثقة، يصبح مشروعا التساؤل عن مكان “الاستفادة” التي يتم الترويج لها في هذا المشروع، فالمستفيدون دفعوا ثمنا كاملا للأرض ناهز 1000 درهم للمتر المربع، وتحملوا تكاليف التجهيز، وها هم اليوم مطالبون بأداء ضريبة لا تخصهم قانونا، لصالح شركة عمومية تقدر رساميلها بالمليارات، وحققت من نفس العملية أرباحا مضاعفة عبر بيع باقي العقار للخواص بأثمنة تفوق أربعة إلى خمسة أضعاف ثمن الشراء. فمؤسسة بحجم “العمران”، التي يفترض أن تكون رافعة للتنمية العمرانية الاجتماعية بالمغرب، لا يمكن أن تجد تبريرا مقبولا للتنصل من أداء مبلغ لا يتجاوز 100 مليون سنتيم، بينما تراكم أرباحا بمئات الملايين من نفس العملية، وتترك المواطن البسيط يتحمل فاتورة تراخيها أو، ربما، سوء تدبيرها المالي والإداري.
وبما أن عملية توزيع القطع جرت بحضور رسمي، فإن هذا الحضور يفرض، أخلاقيا وقانونيا، مسؤولية مؤسساتية على الجماعة في التأكد من أن الديون الضريبية المسجلة في سجلاتها الخاصة تحصل من الجهة الملزمة بها قانونا، لا من مواطنين استدرجوا إلى أداء التزامات ليست من صميم مسؤوليتهم. ويبقى هذا الملف، بكل ما يحمله من وثائق دامغة وأرقام موثقة، مفتوحا أمام الجهات الوصية، من وزارة الداخلية إلى المجالس الجهوية للحسابات، لفتح تحقيق شامل وجدي في طريقة تدبير هذا المشروع، ومساءلة شركة العمران عن الأساس القانوني الذي استندت إليه في تحويل التزام ضريبي يقع على عاتقها، إلى عبء إضافي فرضته على أسر بسيطة، ظنت أنها استفادت من سكن كريم، فإذا بها تكتشف أنها كانت، منذ البداية، مجرد رقم إضافي في معادلة ربح مؤسسة عمومية لم تترك لها حتى فتات الاستفادة الحقيقية.