خلف كواليس “صناعة التشهير” بطنجة.. عندما يتحول الابتزاز الرقمي إلى شبكة لترهيب المستثمرين وتصفية الحسابات

تعيش مدينة طنجة على وقع تفاقم خطير ومقلق لظاهرة الابتزاز الرقمي التي تنهجها بعض المواقع الإلكترونية، عبر ممارسات دنيئة تتجاوز حدود النشر الصحفي لتتحول إلى ما يشبه الشبكات المنظمة التي تستهدف فئات ميسورة بعينها، تشمل منعشين عقاريين، وأصحاب قاعات الحفلات، وأحيانا أباطرة مخدرات، بغرض إرهابهم ودفعهم تحت ضغط التشهير لربط الاتصال بأصحاب هذه المواقع ومساومتهم لحذف المحتوى المنشور مقابل مبالغ مالية أو التغطية على ذلك بعقود شراكة إشهارية وهمية.
وتعتمد هذه المنابر الطفيلية، بحسب شهادات وتقارير متطابقة، تكتيكا رقميا خبيثا ومدروسا يقوم على تعمد نشر محتوى رقمي، وفي غالب الأحيان مقاطع فيديو مجردة تماما من علامات تلك المواقع، بهدف التنصل من المسؤولية القانونية المباشرة أولا، ولتحفيز باقي صفحات التواصل الاجتماعي المحلية لإعادة نشر المحتوى الجاهز وتداوله بحرية ثانيا، مما يحقق الانتشار الواسع المنشود ويثير هلعا وحجما من الضغط النفسي لدى الجهات المعنية التي تجد نفسها أمام رأي عام رقمي يفرض عليها الخضوع والتفاوض.
وقد تجسدت هذه الهندسة، وفق معطيات شفهية متداولة في الأوساط المهنية، في حالات متعددة بينها ما ينقل عن بعض مهنيي قطاع الخدمات وأرباب قاعات الحفلات ممن جرى ترويج محتوى رقمي يدعي تسبب نشاطهم في إزعاج الجيران ووجود شكايات ضدهم، في حين تؤكد المصادر أن الواقع الميداني يشير إلى عدم وجود أي شكاية مادية أو رسمية وردت على الجهات المختصة في هذا الشأن، وأن إثارة تلك الملفات لم تكن سوى وسيلة للضغط وقبض الثمن والتفاوض على عقود إشهار. واللافت في هذه المخططات أن تلك المواقع تسعى من خلال هذا النشر للفت أنظار السلطات المعنية للتدخل، مما يضع السلطات المحلية والإقليمية أمام تحدي التثبت الصارم من وجود شكايات مادية وفعلية قبل اتخاذ أي مسطرة إدارية، تفاديا للسقوط غير المقصود في فخ الشطط في استعمال السلطة أو التحول دون قصد إلى أداة لخدمة مآرب المبتزين.
ولم يعد هذا الابتزاز يمارس بالطرق التقليدية عبر تسلم الأموال كرشوة مباشرة تحسبا للكمائن الأمنية وقضايا التلبس، بل يتداول فاعلون اقتصاديون تحوله إلى أسلوب أكثر دهاء يتخفى خلف شركات للإنتاج السمعي البصري والتواصل يعتقد أن بعضها صوري، حيث يتم الدفع ببعض الضحايا إلى تحويل مبالغ المساومة في شكل عقود خدمات واستشارات إشهارية تفرغ فواتيرها في حسابات بنكية رسمية للتغطية على العملية برداء المعاملات التجارية المشروعة. وفي الوقت نفسه، يشير مهتمون بالشأن الرقمي إلى أن الانتشار الميداني للمحتوى لا يتم بشكل عفوي دائما، بل تعتمد تلك الشبكات على مظاهر الذباب الرقمي المحلي وإدارة شبكات صفحات خفية ومجموعات موجهة تعمل على الضخ التلقائي للمقاطع وخلق وهم الغضب الشعبي والضغط الرقمي لإرباك المستهدفين والسلطات على حد سواء.
وتبدو الخطورة الأكبر عندما يتجاوز الابتزاز مكاسبه المالية المباشرة ليتحول في بعض الأحيان إلى أداة خفية لتصفية الحسابات بين المنافسين التجاريين في البيئة العقارية ودينامية المدينة، حيث يستأجر هذا الإعلام الطفيلي لضرب مشاريع منافسة وتعطيل تراخيصها عبر إثارة السلطات ضدها. وفي ظل هذه الاختلالات، يستغل المبتزون ثغرة التشريع المزدوج للاحتماء بحصانة الصفة الصحفية ومحاولة التكيف تحت قانون الصحافة والنشر للإفلات من العقوبات السالبة للحرية، بينما يطالب حقوقيون وتكتلات مهنية بتكييف هذه الأفعال كجرائم ابتزاز وتشهير كاملة الأركان خاضعة لأحكام القانون الجنائي.
هذا وتلقي هذه الممارسات البذيئة والأساليب الدخيلة بظلالها القاتمة على المناخ الاقتصادي والمحلي، مستهدفة بنية الثقة والأمن القانوني والكرامة المهنية للفاعلين الاقتصاديين، وتطرح تساءلا حارقا حول كيفية تشجيع الاستثمار وخلق اليد العاملة في ظل هذه البيئة الطاردة، بمعنى، كيف لمنعش عقاري يؤدي كامل واجباته القانونية للحصول على التراخيص ويؤدي ضرائب شركته للدولة، ويشغل يدا عاملة مهمة تقتات منها عشرات الأسر، أن يأتي شخص عديم الضمير ليعطل ورشه ويشل مشروعه بضغط فيديو فايسبوكي.
وامتدادا لهذا التحدي، بات اليوم من الضروري بناء درع وقائي عبر التكتلات المهنية وأرباب القطاعات المتضررة لتأسيس بروتوكول موحد يتيح وضع شكايات جماعية باسم الهيئات بدلا من المواجهة الفردية، قطعا للطريق على هذه الممارسات وحمايةً لاستقرار المؤسسات والنسيج الاقتصادي والاجتماعي برمته.