تحقيقات “حقيبة الأوراق الإنتخابية” بطنجة تفجر ارتباكا بـ “البام” والغلبزوري يكتفي بآية قرآنية

في غمرة الذهول السياسي والتحقيقات الجنائية المتسارعة التي أعقبت بلاغ الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بطنجة، وفي الوقت الذي كان فيه الشارع والوسط الحزبي بعروس الشمال ينتظران توضيحات إعلامية أو إجابات سياسية شجاعة من الفائز بالمقعد البرلماني عن حزب الأصالة والمعاصرة بدائرة طنجة-أصيلة، اختار عبد اللطيف الغلبزوري الهروب إلى الأمام بأسلوب التلميح المشفر، حيث نشر على حسابه الشخصي بفيسبوك الآية الكريمة “لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ” مجردة من دون أي إضافة أو تعليق، تاركا الباب مفتوحا على مصراعيه أمام التكهنات.

هذا الاكتفاء بنشر الآية القرآنية مفردة، بعيدا عن بنيتها اللغوية والدينية، يحمل في الميزان الصحفي والتحليل السياسي دلالات وإشارات مكثفة تعكس حجم الارتباك والورطة الاستراتيجية التي تحيط بالجهة المستفيدة من نتائج الاقتراع المثار حوله النزاع.

كما أن نشر نص قرآني مجرد في ذروة عاصفة قضائية وسياسية يعد في أدبيات التواصل السياسي بالصمت الإيحائي. بمعنى أن الفائز بالمقعد البرلماني، بصفته وكيل اللائحة التي أحيطت عمليتها الانتخابية بشبهات التزوير وإخراج الأوراق، يدرك تماما أن الخطاب المباشر يستوجب تقديم إجابات تنفي الشبهات وتجيب على معطيات بلاغ النيابة العامة. وحينما يتعذر التعليق المباشر، يصبح النص المقدس جدارا يتحصن خلفه الفاعل للالتفاف على الأسئلة الحارقة دون أن يقدم تصريحا يحسب عليه مسطريا أو إعلاميا.

كما تطرح قراءة الآية الكريمة حافية من أي سياق سيناريوهين مزدوجين من التفسير السياسي، الأول يكمن في المظلومية والاحتساب الروحي عبر تقديم الغلبزوري نفسه ومحيطه كضحية لاستهداف أو أزمة قاهرة، محاولا تسويق حالة من المكابذة وإعادة توجيه قواعده الحزبية إيمانيا لتخفيف شدة الضغط الإعلامي والسياسي الناجم عن اعتقال رئيس مكتب التصويت ونائبه وباقي الموقوفين. بينما يتجلى السيناريو الثاني في الإقرار الضمني بعمق المحنة القضائية، ذلك أن اختيار آية قرآنية تتحدث في أصلها التفسيري عن القيامة والشدة العظيمة التي لا يكشفها ولا يدفعها إلا الله هو في حد ذاته إقرار غير مباشر بفداحة الكارثة الجنائية، حيث تعكس جملة “ليس لها كاشفة” حالة من الضغط النفسي والقلق الصريح مما قد تسفر عنه التحقيقات الأمنية والإنابات القضائية القادمة التي توعدت بالوصول إلى كافة المتورطين أيا كانت صفاتهم أو مواقعهم.

إلى جانب ذلك، تمنح هذه الآية المجردة صاحبها مخرج طوارئ آمن، حيث يمكن للغلبزوري دائما التملص والدفع بأن التدوينة مجرد تأمل إيماني شخصي لا علاقة له بملف مدرسة القدس، لكن إخراج هذه الآية تحديدا في هذا التوقيت الحرج يجعلها محاولة مكشوفة لإرسال إشارات تهدئة للقواعد الحزبية والإيحاء بالثبات، في وقت أصبحت فيه مشروعية المقعد البرلماني برمتها محط تشكيك وملاحقة من القضاء.

وتظهر التدوينة أيضا حجم الفصام بين التكتيك الرقمي القائم على الألغاز والمجال القضائي الصارم، فبينما يكتفي وكيل اللائحة بنشر آية محملة بالإيحاءات، يواصل قاضي التحقيق والأجهزة الأمنية العمل وفق مساطر فنية لا تعترف بالرموز ولا بالتدوينات المبهمة. فالتحريات تبحث عن إجابات مادية لأسئلة من قبيل من أخرج الحقيبة؟، و”من أمن ختم الاوراق؟”، و”من أعد الحبر المغاير؟”، وهي أسئلة لا تكشفها الآيات التأويلية، بل تدققها المواجهات والمحاضر القضائية.

هذا ولن يغير اللجوء إلى النصوص المقدسة في مضامير الصراع السياسي المحفوف بالشبهات الجنائية من حقيقة أن النيابة العامة بطنجة وضعت يدها على ملف ثقيل يهدد بقلب المعادلات. بمعنى أن العدالة لا تشتغل بالإيحاءات والتأويلات الفايسبوكية، بل على المحاضر والأدلة المادية، ومهما حاول الفائزون التحصن خلف صمت الآيات، فإن كشف خيوط الجريمة الانتخابية والوصول إلى مهندسيها الحقيقيين بات مسألة وقت لا غير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *