مكناس بين التبخيس والشعبوية وحقيقة الميدان.. لماذا تستهدف خبرة بوانو وحنكة الومغاري؟

بقلم | فؤاد السعدي

في زمن السياسة السريعة وموجات وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت التقييمات التنموية للمدن تختزل في شعارات بسيطة ومنشورات تبحث عن الانتشار السريع، غافلة أو بالاحرى متغافلة عن هندسة التدبير الحقيقي وكواليس صناعة القرار. والنموذج من العاصمة الإسماعيلية مكناس، حيث تعالت في الآونة الأخيرة أصوات شعبوية تحاول تبخيس أدوار رجالات الدولة والسياسة ممن راكموا عقودا من الخبرة، مستهدفة بشكل مباشر قامتين سياسيتين في المشهد المحلي هما، الدكتور عبد الله بوانو، البرلماني عن دائرة مكناس لأكثر من عقدين، والعباس الومغاري، برلماني سابق عن نفس الدائرة ورئيس الجماعة الحالي الذي خبر دهاليز المجلس ورصيده الإداري لأكثر من ثلاثة عقود. غير أن القراءة الموضوعية لحصيلة العمل بعيدا عن صخب المنصات، تطرح سؤالا جوهريا حول ما إذا كانت الكفاءات الشابة اليوم تملك فعلا مفاتيح الفاعلية والتراكم التي يمتلكها هؤلاء، أم أن العقل التنموي يستوجب التشبث بالتجربة والحنكة كمحرك أساسي لدولاب المدينة.

ولعل ما يجهله الكثير من المكناسيين، أو يتجاهله هواة التبخيس، هو أن العلاقة بين عبد الله بوانو والعباس الومغاري ليست علاقة صراع أو تضاد سياسي، بل هي علاقة تكامل عضوي استثنائي لا تفرض بالضرورة التسويق والبهرجة الإعلامية لكل تحرك أو فعل. بل إن التدقيق الميداني يبرز أن السر الحقيقي وراء توقيت وسعر هذه الحملة التبخيسية الموجهة ضدهما تحديدا، يعود بالأساس إلى ترشحهما وموقعهما المحوري قبيل الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، فالرجلان، ودونا عن باقي الفاعلين، كان لهما الأثر الإيجابي والملموس في تنمية المدينة. في المقابل، وبقراءة متأنية لخريطة تمثيلية دائرة مكناس بالبرلمان المكونة من ستة مقاعد، نجد نائبين برلمانيين آخرين معمرين لسنوات طويلة دون أن يتركا أي أثر تنموي يذكر، فيما يظل النواب الثلاثة الآخرون من فئة الشباب الذين تفتقر تجربتهم للحنكة والتراكم اللازمين، وهو ما يجعل عبد الله بوانو عمليا صاحب الأثر التنموي والترافق الملموس الوحيد من بين ممثلي مكناس بالعاصمة الرباط.

وقد استمر هذا التنسيق بين الرجلين ليس فقط اليوم، بل حتى عندما كان بوانو رئيسا للجماعة في الولاية السابقة، حيث كان التشاور دائما مع الومغاري للاستفادة من درايته العميقة بالتفاصيل الإدارية والعقارية للمدينة. وقد أثمر هذا التناغم، المدعوم بالمرونة الإدارية ورؤية عامل صاحب الجلالة على إقليم مكناس، تشكيل مثلث تنموي استطاع أن يفكك ملفات معقدة ظلت لحقب طويلة حبيسة الرفوف، وذلك عبر توزيع ذكي للأدوار بين الخبرة الميدانية والمحلية في مكناس، والثقل السياسي والترافق في دهاليز العاصمة الرباط. هذا النموذج يجسد بحق مفهوم مهندس الكواليس والملفات الذي يمارس الفاعلية الإدارية والترافق الشرس في دهاليز الوزارات بعيدا عن صخب منصات التواصل، فالمدينة اليوم لا تحتاج إلى متحدثين بارعين في العالم الافتراضي بقدر ما تحتاج إلى قادة ميدانيين يمتلكون القدرة على مفاوضة العاصمة وانتزاع الميزانيات التنموية.

ويظهر جليا هذا العمل الثلاثي المتكامل في مجموعة من المبادرات والمشاريع الكبرى التي تحققت على أرض الواقع، وفي مقدمتها مشروع الملعب الكبير والأكاديمية وتهيئة الملعب الشرفي، حيث لم تكن هذه المكاسب الرياضية لتخرج إلى النور لولا الاشتغال الميداني للعامل ورئيس الجماعة على توفير وتصفية الوعاء العقاري محليا، بالتوازي مع الترافق السياسي الحثيث لعبد الله بوانو في العاصمة، والذي أثمر إقناع رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم فوزي لقجع بعد خمسة اجتماعات ماراثونية. ولم يتوقف هدم العراقيل عند هذا الحد، بل امتد ليشمل برنامج الأحياء ناقصة التجهيز الذي ظل حبيس رفوف وزارة السكنى وسياسة المدينة لأكثر من ثلاث سنوات، قبل أن يتحرك هذا المثلث التنموي بمجرد تولي الومغاري رئاسة الجماعة، حيث عقد بوانو اجتماعا حاسما مع الوزيرة فاطمة الزهراء المنصوري أسفر عن ضخ غلاف مالي ناهز 15 مليار سنتيم لتأهيل أحياء المدينة الناقصة التجهيز. ولم يقف هذا التنسيق والتكامل عند حدود البنية التحتية فقط، بل امتد لفك التعقيدات عن ملف التدبير المفوض لقطاع النظافة، حيث ساهم هذا الترافق التكاملي في إخراج الملف من عنق الزجاجة وتذليل العقبات الإدارية والمالية مع وزارة الداخلية بعد فوز شركة “ميكومار” بالصفقة، لضمان جودة الخدمات بالمدينة.

ولم تقتصر ثمار هذا التكامل على المشاريع السكنية والرياضية فحسب، بل امتدت لتشمل مشاريع البنية التحتية الكبرى كتهيئة الحزام الأخضر وشارع عبد الكريم الخطابي وشارع الديغوسي، وهي الأوراش التي خرجت إلى النور بفضل ترافق بوانو وحنكة الومغاري في توفير مساهمة الجماعة وإقناع وزارة الداخلية بدعم بلغ 100 مليون درهم. وهنا وجب التأكيد على أن حضور بوانو إلى جانب عامل إقليم مكناس، عبد الغني الصبار، ورئيس الجماعة العباس الومغاري في مراسيم تدشين مشروع تهيئة الحزام الأخضر، لم يكن من باب التسويق الانتخابي المبكر كما تروج الأصوات المغرضة، بل كان أمرا طبيعيا باعتباره أحد المهندسين الحقيقيين لهذا المشروع بالرباط، وبالتالي فإن الادعاءات التي تزعم ظهور بوانو فقط مع اقتراب الاستحقاقات هي مزايدات سياسية فارغة لا أساس لها من الصحة. وبالتالي فمن ينكر أدوار هؤلاء يبخس الناس أشياءهم، ويتناسى أن بوانو ظل صوتا جهوريا للمعارضة ورأس حربة في خوض المعارك التشريعية، متصديا لمجموعات الضغط في قطاعات المحروقات والأدوية واللحوم، وممثلا لصوت المواطن المقهور أمام الغلاء.

وحتى في أزمة النقل الحضري الحالية مع شركة “سيتي باص”، المعتبرة من الملفات الأكثر حرجا، تتجلى هذه الدينامية من خلال اشتغال العامل والومغاري على المستوى المحلي لتسريع المساطر وإخراج الملف من عنق الزجاجة، في الوقت الذي يواصل فيه بوانو الترافع على مستوى وزارة الداخلية بالرباط للإفراج عن الحافلات الجديدة في أقرب الآجال. وفي الوقت نفسه، أثبت العباس الومغاري بحنكته الإدارية كيد رجل دولة قدرته على إخراج الجماعة من حالة السكتة القلبية، حيث نجح في ظرف سنة واحدة في إنعاش الميزانية وتحقيق مداخيل قياسية، مما مكنه بالتنسيق مع العامل عبد الغني الصبار من تنزيل مجموعة من المشاريع التنموية بعد توفير أغلفتها المالية. وقد شكل هذا التعاون نواة حقيقية للوبي محلي عابر للحسابات السياسوية الضيقة، أثبت من خلاله الفاعلون أن المصلحة التنموية للعاصمة الإسماعيلية تقتضي توحيد الجهود بين مختلف مراكز القرار والخبرة لحماية مصالح المدينة وضمان انسيابية مشاريعها.

وهكذا، فإذا كانت الشركات والمعاملات التجارية تقوم أساسا على قوة العلامة التجارية، فإن عبد الله بوانو يمثل بحق العلامة التجارية السياسية لمكناس بالرباط، بفضله تفتح الأبواب المغلقة وتسمع مطالب المدينة، في حين تمثل الخبرة الجماعية للعباس الومغاري السارية التي مكنت من فتح أوراش البنية التحتية في زمن قياسي وبأقل التكاليف. وهنا يتجلى الأثر المالي لما يمكن تسميته بالائتمان السياسي وثقة الاسم، حيث إن الوزارات والقطاعات الحكومية بالرباط لا تفرج عن ميزانيات ضخمة بمليارات السنتيمات إلا لوجود ضمانة حقيقية وارتياح للتعامل مع شخصيات تتمتع بمصداقية عالية وقدرة على المتابعة والتنفيذ.

هذا التشبث برجالات التجربة لا يعكس عجزا عن التشبيب، بل يعكس وعيا عميقا بضرورة الحفاظ على الذاكرة المؤسساتية للجماعات الترابية ومخزونها الإداري والتاريخي من ضياع الأرشيف والجهل بمسارات العقارات والالتزامات السابقة، وهو الرصيد الحي الذي يقي المدينة من تكلفة الهدر التنموي والبدء دائما من نقطة الصفر. تماما كما تفعل الدولة بمؤسساتها العميقة حين تتشبث بالولاة والعمال حتى بعد بلوغهم سن التقاعد لمعرفتها بوزن التجربة في إدارة الأزمات، وكما تجسده أعرق الديمقراطيات كالولايات المتحدة الأمريكية التي يضم مجلس الشيوخ فيها أعضاء تجاوزوا السبعين والثمانين لإدراك أحزابهم والدولة أن التشريع والترافق يحتاجان الحكمة ورصيد العلاقات وليس مجرد الفيديوهات السريعة.

وبناء على كل هذه المعطيات، فإن الواهم هو من يعتقد أن بوانو أو الومغاري لم يقدموا شيئا لمكناس، لأن الإنجازات الحقيقية تقاس بالنتائج الملموسة لا بالبهرجة الإعلامية. وبالتالي فإن الاستجابة غير المحسوبة للشعارات الشعبوية التي تنادي بتبخيس وتجريف النخب المجربة قد تدفع ثمنه المدن غاليا، وهو السقوط في فخ الارتجال والجمود التنموي نتيجة إسناد الأمور لفاعلين يفتقرون لدراية ميكانيزمات التدبير ودواليب الإدارة. ولذلك، يظل رفع شعارات فارغة كـ “ارحل” في وجه هذه القامات لمجرد وصفها بـ “المعمرة” كلاما مردودا عليه وغير ذي قيمة، ولا يصمد أمام لغة الأرقام والحصيلة.

لقد أثبت هذا الثنائي برفقة السلطات الإقليمية أن التكامل والتراكم هما السكة الوحيدة لتنمية العاصمة الإسماعيلية، مما يستوجب على الشارع المكناسي اليوم تغيير طريقة تفكيره، والتمييز بين النقد البناء وبين الشعبوية الهدامة، فالاسم والتجربة والحنكة ليست تهمة بل أسلحة تنموية يحتاجها الإقليم في هذه المرحلة أكثر من أي وقت مضى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *