بلاغ الوكيل العام بطنجة يفتح الجنايات.. لغز “الحبر المغاير” يسقط رؤساء المكاتب ويلاحق العقول المدبرة

شكل البلاغ الصادر عن الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بطنجة نقطة تحول حاسمة في مسار ملف ما بات يعرف بـ “حقيبة مدرسة القدس” بكاسبراطا، حيث تجاوز حدود الإحاطة الإعلامية الروتينية ليعيد رسم الخريطة الجنائية والسياسية للقضية برمتها. فمن خلال مطالعة المقتضيات الإجرائية المضمنة في البلاغ، يتبين أن النيابة العامة رفضت التعاطي مع الواقعة باعتبارها مجرد مخالفة أو خرق إداري عابر، وقررت تكييف الأفعال المرتكبة رسميا ضمن طائلة جناية انتهاك عمليات الاقتراع والتزوير والمشاركة فيهما، مع التماس إحالة الموقوفين على قاضي التحقيق في حالة اعتقال احتياطي. هذا التوصيف الجنائي الرفيع يعكس جسامة الخطورة التي مست بالنظام العام الانتخابي، ويؤكد أن العملية كانت تستهدف إحداث تغيير قسري ومفتعل في نتائج الاقتراع.
وفي تفكيك ميكانيزمات الخرق، كشفت الأبحاث الأمنية عن هندسة دقيقة اعتمدت على الاستغلال المباشر والسري للموقع الإداري المحصن لرئيس مكتب التصويت ونائبه، واللذين أقدما على اختلاس رزمة من الأوراق الانتخابية الأصلية وإخراجها داخل حقيبة بعيدا عن أجهزة الرقابة الميدانية. غير أن النقطة الأكثر إثارة وتأثيرا في مسار التحقيق تمثلت في إثبات وجود حركة تداول إجرائية بين الداخل والخارج، تمثلت في إعادة إدخال تلك الوثائق وتوزيعها على مكتبي تصويت مختلفين بتنسيق مع باقي الأوقوفين. هذا المعطى الإجرائي يقطع نهائيا مع أطروحة السلوك الفردي المعزول، ويؤكد وجود حلقة وصل أو غرفة عمليات كان يفترض أن تسلم الأوراق وتستقبلها لإعادة توجيهها نحو الصناديق.
وقد عزز البلاغ هذا التوجه الجنائي بتقديم دليل فني وتقني على غاية من الأهمية، يتعلق باكتشاف أن نوع الحبر المستعمل في التأشير والتختيم على الأوراق المحجوزة يختلف كليا عن نوع الحبر المعتمد رسميا والموزع من طرف وزارة الداخلية داخل المكاتب. وفتح هذا المعطى الفني الباب أمام فرضيتين أساسيتين تؤكدان أن الجريمة أديرت خارج البيئة القانونية للمدرسة، الفرضية الأولى تتجه نحو قيام جهة ما بإنشاء ورشة عمل سرية خارج مركز الاقتراع لتأشير الأوراق المختلسة جماعيا ولصالح رمز حزب محدد باستخدام أقلام غير رسمية تم تجهيزها سلفا، بينما تذهب الفرضية الثانية الأكثر خطورة إلى إمكانية اللجوء لوسائد حبر خارجية أو استخدام ختم مزور ومستنسخ لتسريع عملية شرعنة الأوراق المسربة دون الحاجة للانتظار أو المخاطرة بسحب الختم الأصلي من طاولة المكتب.
تتجه الأنظار في هذه المرحلة نحو المسار الجنائي المفصلي للتحقيق، خصوصا في ظل استمرار احتفاظ السلطات الأمنية بالمشتبه فيه الخامس رهن تدبير الحراسة النظرية لتعميق الأبحاث وتقسيم تقاطعات المكالمات والرسائل. ويطرح ثبوت كون الأوراق المحجوزة أصلية وصادرة عن المطبعة الرسمية للدولة أسئلة حارقة حول المسلك الذي قطعته قبل وصولها إلى أيدي المتهمين، والجهة النافذة التي ملكت سلطة الوصاية عليها ويسرت تسريبها خارج الضوابط المسطرية. وبما أن المصلحة المباشرة في هذه الجريمة تنحصر في القائمة السياسية التي كانت تصارع لحسم المقعد البرلماني بدائرة طنجة المدينة وضمان تفوقها العددي، فإن تأكيد النيابة العامة على ملاحقة كافة المتورطين مفاده أن التحقيق لن يتوقف عند الحدود المكانية لـ “مدرسة القدس” أو الصفات الصغرى للموظفين الموقوفين، بل سيمتد لفك خيوط الشبكة والوصول إلى العقول المدبرة والجهات المستفيدة التي عبثت بسلامة الصندوق وإرادة الناخبين.