نزول لقجع بحزب “البام”.. هندسة صامتة لحكومة تطبخ قبل صناديق الاقتراع

بقلم | فؤاد السعدي

لا يمكن التعامل مع خبر التحاق فوزي لقجع بحزب الأصالة والمعاصرة عشية الانتخابات كحدث حزبي عابر، بل هو المدخل المباشر الذي يضعنا أمام الحقيقة السياسية الثابتة، وهي أن الخريطة السياسية في بيئتنا الوطنية لا يتم تركها لمفاجآت صناديق الاقتراع، وإنما يتم صياغة معالمها على نار هادئة في كواليس الصالونات المغلقة، حيث إن نزول شخصية تكنوقراطية بوزن تدبيري ومالي ورياضي في أحضان تنظيم حزبي عشية استحقاق مفصلي، بعد سنوات من نفي أي انتماء سياسي، يختصر القصة بأكملها، ويؤكد أن الانتماءات والمواقف يتم تفصيلها بدقة على مقاس الرهانات التنفيذية لا على أساس المبادئ والتدرج الحزبي.

تتعدى أبعاد هذه الخطوة أسوار التنظيم المعني لتصاغ كرسالة مشفرة إلى المشهد السياسي برمته، حيث يتم قراءة هذا التموقع المبكر كإشارة واضحة تكشف عن ملامح قيادة المرحلة والحكومة المقبلة. وبالتالي بمجرد التقاط هذه الرسالة في الكواليس، تتشكل دينامية متسارعة للهجرة الحزبية ونزوح الأعيان والنخب البراغماتية نحو القطب المفضل، وهو ما يتيح للتحكم إعادة إنتاج نفسه ميدانيا، ونصبح أمام واقع تحسم فيه الأغلبية وتتم صياغة توازناته قبل أن يضع المواطن ورقة واحدة في صندوق الاقتراع. وهو ما يؤكد أن الأمر لا يتعدى كونه إعادة لتدوير الأدوار داخل نفس مربع السلطة، حيث يجري اليوم تحريك بيادق رقعة الشطرنج لإفساح المجال لحزب الجرار ليستعيد أدوارا انتظرها منذ عقد من الزمن، في سيناريو مكرر يثبت أن التحالفات والأغالبيات لا تصنع عبر صناديق الاقتراع والتحولات الشعبية، بقدر ما تصمم عبر هندسة مسبقة تنقل المشعل من تنظيم إلى آخر.

وقد تجسدت أبعاد هذه الهندسة بوضوح خلال أول ظهور حزبي لفوزي لقجع بمدينة أكادير، في لقاء تواصلي نظمته الأمانة الجهوية لحزب الأصالة والمعاصرة بسوس ماسة، حيث سعى الرجل عبر كلمته إلى إسباغ مشروعية أخلاقية على خياره السياسي والتغطية على هذا الترتيب القبلي. غير أن محاولة تبرير التحاق رجل دولة بالحزب بخدمة الشأن العام وممارسة حق دستوري يظل تبريرا واهيا وغير مقنع أمام التحليل السياسي السليم، وبالتالي، كيف لبروفايل تقلد مناصب مالية وتنفيذية سامية بناء على تعيينات ملكية متتالية في مديرية الميزانية أن يفتقر للإمكانيات والوسائل لخدمة الشأن العام، ليجدها فجأة في مقعد حزبي؟ هذا الطرح المكشوف يؤكد أن الانخراط الحزبي هنا ليس بحثا عن فضاء جديد للخدمة الوطنية فقط، بل هو مجرد وسيلة لتأمين الشرعية الانتخابية المنشودة لتولي القرار السياسي.

كذلك أزاحت هذه الخرجة الإعلامية الستار عن مأزق تحويل التكنوقراطي الصارم إلى فاعل سياسي واجتماعي، وما يكتنفه ذلك من تناقض صارخ، إذ كيف لمن طالما واجه المغاربة والبرلمانيين بلغة الأرقام الجافة والتوازنات الماكرواقتصادية وتقشف الميزانيات، أن يقنع الشارع اليوم بأن القدرة الشرائية وكرامة المواطن أضحت في صلب أولوياته؟ هذا الارتباك الواضح يظهر حقيقة المعضلة، ذلك أن التحول السريع من عقلية “المحاسب” إلى منطق “الرجل الشعبي” يعري بشكل جلي حجم التحديات التي تواجه النموذج التكنوقراطي للتكيف مع تطلعات الشارع وحاجياته.

وامتدادا لهذا المنطق الفوقي، لم تقف خرجة أكادير عند حد التبرير السطحي، بل صبت الزيت على نار السجال التنظيمي من خلال تجاوز صريح للأدوار الهيكلية للحزب، إذ لم يتردد لقجع في تقديم نفسه كواضع ومدافع أول عن الخيارات المستقبلية للتنظيم، مستعرضا ملامح البرنامج السياسي المزمع إطلاقه في شتنبر المقبل بحجة القطع مع الكلام المعسول والتركيز على أزمات الصحة والتعليم والقدرة الشرائية. وما هذه الخفة والسرعة اللتان ألم بهما وافد جديد ببرنامج الحزب وبدأ يرافع عنه إلا تعبير صارخ عن نزعة إعطاء الدروس الفوقية، وتعد بين على قواعد التنظيم، حيث يجري إعداد وتسليم الوثائق التوجيهية في مكاتب مغلقة، في مصادرة كاملة للتشخيص الترابي والتراكم النضالي الذي يفترض أن يضطلع به مناضلو الحزب في مختلف الأقاليم والمداشر.

وهو ما يكرس صراحة الظاهرة الخطيرة القائمة على استيراد القيادات الجاهزة وتبخيس مسار التدرج الحزبي، حيث يتم توجيه رسالة محبطة للقواعد والشباب داخل التنظيمات مفادها أن سنوات النضال الترابي والتضحيات الميدانية لا تتكافأ مع نفوذ بروفايل قادم من خارج السور الحزبي، مما يحول الأحزاب من مدارس لإعداد القادة إلى مجرد دكاكين تستعين بالعلامات التجارية الجاهزة عشية الاستحقاقات.

وإلى جانب هذا الاستعلاء التنظيمي، يبرز اختلال أكثر خطورة يكمن في خوض السياسة بصفة رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، حيث يتم استغلال النجاح الرياضي والشغف الشعبي بالكرة كقوة ناعمة للتأثير على الناخبين. هذا الخلط بين الرياضة التي هي ملك لجميع المغاربة وبين الصراع الحزبي يضرب مبدأ التكافؤ والتوازن بين الأحزاب، ويمنح طرفا سياسيا أسبقية غير مستحقة تقوم على شعبية المستطيل الأخضر لا على واقعية البرنامج السياسي. وهنا يصبح من حق الرأي العام أن يتساءل بمشروعية حول الكيفية التي يتم بها استعراض المنجز الكروي كبطاقة تزكية سياسية بينما تغيب الحصيلة المالية والشفافية التدبيرية لأكثر من عقد من إدارة جامعة الكرة. حيث يقتضي إعمال مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة الوقوف أولا على حجم الأموال العمومية التي تم صرفها وأوجه تدبيرها، بدلا من استغلال الواجهة الرياضية كحصانة حزبية وورقة استقطاب انتخابية.

وبناء على هذه المعطيات المتشابكة، يترجم هذا المسار توجها صريحا نحو تقديم منطق النجاعة التدبيرية والأسلوب الإداري على حساب التنافس الديمقراطي والتدافع الفكري، حيث تظهر مراكز القرار وكأنها باتت ترى في التعددية السياسية بطئا يعيق وتيرة الأوراش الاستراتيجية الكبرى، مفضلة بذلك ديكتاتورية النجاعة على حساب السياسة التنافسية. والنتيجة في الأخير، تراجع دور الحزب السياسي من فضاء حي لتأطير المواطنين وإنتاج الأفكار إلى مجرد وعاء لوجستي يتم اعداده لشرعنة وصول الكفاءة التكنوقراطية بعباءة حزبية إلى المطبخ الحكومي.

وتقود هذه المصادرة المستترة لأدوار الأحزاب إلى نتيجة مباشرة تتمثل في الإجهاز التام على القيمة المعنوية والسياسية للعملية الانتخابية برمتها، إذ كيف يمكن إقناع الشارع بالتوجه إلى الصناديق بينما يتكرس لدى الجميع انطباع بأن التزكيات والتحالفات، بل وحتى اسم رئيس الحكومة، قد تم الحسم فيهم سلفا؟ هذا الشعور بمصادرة الإرادة الشعبية يظل المولد الرئيسي لأزمة الثقة والعزوف الجماعي، حيث يرى الناخب أن صوته لا يطلب إلا لتزيين الواجهة وإضفاء مشروعية شكلية على خريطة جاهزة.

ورغم كل هذه القراءة القاتمة، يظل الرهان الوحيد المتبقي لإرباك أعتى سيناريوهات التحكم مرهونا بوعي المواطن، ذلك أن الخرائط المكتوبة في الكواليس تبنى دائما على فرضية استمرار العزوف وغياب الشارع. وبالتالي تبقى المفاجأة الوحيدة القادرة على إحداث الفارق وإعادة الروح للعملية السياسية هي المشاركة المكثفة والتصويت المضاد، لأنه السبيل الوحيد لإثبات أن إرادة الناخبين أعمق من كل الترتيبات الجاهزة، وأنه لا يمكن إلغاء صوت المواطن طالما أنه يملك القول الفصل يوم الاقتراع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *