دعم مهرجان مكناس للدراما التلفزية.. صرامة بواحي الرقابية في ترسيخ الحكامة تضع بلحسن أمام امتحان الأثر والشفافية

لم تكن الدورة الاستثنائية لشهر يوليوز 2026 لمجلس جماعة مكناس مجرد محطة عادية لمراجعة نقاط جدول الأعمال، بل كشفت عن تباين عميق في استيعاب أدوار المؤسسات الترابية ومسؤولية تدبير المال العام. وهو التباين الذي تتضح معالمه بجلاء عند الموازنة بين المداخلة والخرجة الرقابية الصريحة للمستشار الجماعي الدكتور فريد بواحي، وبين الرد المنفعل وغير الموفق للفاعل الجمعوي محمود بلحسن.

بدأت أطوار القصة عندما مارس المستشار الدكتور فريد بواحي واجبه القانوني والرقابي مكفول السيادة داخل القبة الجماعية، إذ طالب، بكل موضوعية وهدوء، بالاطلاع على التقارير الحسابية وتدقيق مصارف الأموال السابقة قبل الإقدام على التصويت، مشيرا إلى خرق مسطري واضح يكمن في غياب النص الكامل لاتفاقية الشراكة الخاصة بـ “جمعية العرض الحر” المنظمة لمهرجان مكناس للدراما التلفزية. وهي مطالبة تقنية لا تتضمن أي اتهام مباشر أو تشكيك شخصي، بل تنطلق من صلب صريح القانون التنظيمي للجماعات الترابية (113.14) الذي يفرض حكامة المرفق العام ووجود أطر مرجعية واضحة قبل ضخ أي دعم من جيب المواطن.

غير أن الفاعل الجمعوي محمود بلحسن لم يكن موفقا في تعاطيه مع هذا الطرح المؤسساتي، إذ زاغ بالنص عن سياقه الرقابي نحو التشنج وتراشق الاتهامات، متسرعا في تحويل مطالبة مسطرية عادية إلى استهداف شخصي وتحامل وتشهير، وخوض في سجال الأرقام والدعم والمقارنات. وهي ردة فعل أضعفت موقف الجمعية بدلا من إسناده، وأظهرت عجزا عن التمييز بين حماية سمعة التظاهرة وبين الخضوع الطبيعي لآليات الرقابة التي يخضع لها أي شريك يستفيد من المال العام.

هذا التعامل غير الموفق من طرف الجمعية منح للخرجة التالية للدكتور فريد بواحي قوة مضاعفة وزخما فكريا، حيث خرج بتدوينة رصينة وراعية لأخلاقيات النقاش العمومي، نقلت المعركة من مربعات السجال الضيق إلى أفق الحكامة وتقييم الأثر.

فبدلا من الانجرار خلف الانفعال، افتتح بواحي تدوينته بأسلوب احترافي أشاد فيه باستمرارية المهرجان على مدى 15 سنة، ليضع بعدها يده على جوهر الممارسة الثقافية والمالية الحديثة متسائلا حول ما إن كان نجاح المهرجانات يقاس بالصور والتصفيقات والبروتوكول، أم بـ “الأثر الثقافي والتنموي الحقيقي”؟

وطرح المستشار الجماعي أسئلة نقدية حارقة شخص بها واقع الحال، متسائلا مرة أخرى عن الحصيلة العملية للمهرجان في تطوير السيناريو والإخراج واكتشاف المواهب، ومؤكدا أن المساءلة حول الشراكات وتدقيق الميزانيات ليست اتهاما لأحد، بل هي جوهر الحكامة والمؤشر الحقيقي لمعرفة أين يتم استثمار المال العام”. ودعا بواحي المؤسسات والجمعية المنظمة إلى الوقوف أمام المرآة بكل شجاعة لتقييم الذات، معتبرا أن المال العام هو استثمار للجميع وليس وسيلة لتأمين استمرارية موعد سنوي دون نتائج قابلة للقياس.

للاشارة فقد أثبتت هذه المحطة الرقابية أن مداخلات الدكتور فريد بواحي أُطرت بالكامل داخل الممارسة الديمقراطية والتداول القانوني السليم، في حين كشفت خرجة بلحسن عن ضيق بآليات المساءلة الترابية، مما يحتم على الفاعلين الجمعويين إدراك أن زمن المنح البروتوكولية قد انتهى، وأن منطق الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة هو الفاصل الوحيد في إدارة شؤون مكناس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *