“فضيحة القرن”.. الصندوق الأسود لـ “الفراقشية الجدد” وهندسة السطو المشرعن على قوت المغاربة

تقرير _ فؤاد السعدي

هل يمكن لـ 200 مستورد أن يبتلعوا ميزانية بناء 26 مستشفى إقليميا مجهزا بالكامل دون أن تهتز موازين الرقابة؟ وما هو لغز “التوقيت الذهبي” الذي جعل شحنات “الفراقشية الجدد” ترسو في الموانئ قبل ساعات من صدور المراسيم، في صدفة تجارية تثير شبهة خيانة المعلومة السرية؟ وكيف نجحت لوبيات الاستيراد في الالتفاف على القانون المالي لشرعنة النزيف وتغييب عين مجلس المنافسة عن أكبر عملية تبديد للمال العام في العقد الأخير؟ هنا الأسئلة لا تتوقف عند حدود السعر المشتعل بـ 120 درهما للكيلوغرام، بل تمتد لتفتش في عمق الزلزال السيادي الذي سحب البساط من مهندسي الأزمة، فهل نحن أمام تصحيح للمسار أم أمام اختبار مصيري لجدية شعار ربط المسؤولية بالمحاسبة في استرداد مليارات الشعب؟

بينما كان المغاربة يرقبون بعيون يملؤها الانكسار شاشات الأسعار وهي تحلق بعيدا عن قفة البسيط، وبينما كان الكساب الأصيل في أعماق الجبال يصارع الجفاف والنسيان، كانت هناك أشباح تتحرك خلف ستائر المراسيم الحكومية لتطبخ أضخم وزيعة مالية في تاريخ المغرب الحديث. هنا نحن لا نتحدث عن مجرد سوء تدبير أو تعثر إداري عابر، بل نفتح الصندوق الأسود لما يمكن تسميته بـ “فضيحة القرن”، حيث تحولت 1300 مليار سنتيم من خزينة الدولة إلى حقنة إنعاش لثروات 200 مستورد فقط، في مشهد سريالي تمت صناعته بدم بارد تحت مسمى دعم اللحوم. في هذا التقرير الاستقصائي الأسود، سننبش في دفاتر “الفراقشية الجدد” الذين لا يكسرون الأقفال بل يفتحون أبواب الموانئ بمراسيم مفصلة، وسنكشف لغز “التوقيت الذهبي” الذي جعل المليارات تتدفق في جيوب تجار الأزمات قبل أن يجف حبر الجريدة الرسمية. نعم، إنها قصة السطو المشرعن على طاجين الفقراء، حيث استعملت أموال المستشفيات والمدارس لتقدم كأرباح صافية على طبق من ذهب للوبيات لا تشبع، في وقت لم يتركوا فيه للمغاربة سوى عظام الوعود، ولحم مر المذاق ينطح سقف الـ 120 درهما للكيلوغرام الواحد.

مجزرة المليارات: كيف تحولت 1300 مليار سنتيم إلى “هدية صافية” في أرصدة 200 مستورد؟

تعد قضية “فراقشية اللحوم” التي تفجرت معطياتها الصادمة خلال ولاية حكومة أخنوش اختبارا حقيقيا لصدقية مؤسسات الدولة وشعار ربط المسؤولية بالمحاسبة، حيث كشفت الوثائق الرسمية المقدمة للبرلمان عن ثقب مالي أسود نخر ميزانية الدولة بقيمة إجمالية بلغت 13 مليار درهم، دون أن يلمس المواطن أثرا ملموسا على مستوى الأسعار التي ظلت تراوح مستوياتها القياسية. هذه الفضيحة تتجلى خطورتها عند إخضاع هذا الرقم المهول للتحليل الحسابي مقارنة بعدد المستفيدين، حيث استقرت هذه المليارات في حسابات نحو 200 مستورد فقط، ما يعني أن كل مستورد حصل في المتوسط على 65 مليون درهم كهدية صافية من أموال دافعي الضرائب قبل أن يبدأ حتى في عملية البيع. وهذا النظام، الذي يمكن وصفه بالدعم المقلوب، منح الغني حصة الأسد وترك للفقير والفلاح الصغير الفتات، في وقت لم تكن فيه ميزانية دعم الفلاح لمواجهة الجفاف تصل أحيانا لعشر هذا المبلغ الممنوح للمستورد الواحد.

ولعل المعطى الأكثر إثارة للقلق هو تحقيق هؤلاء المستوردين لأرباح نائمة بمجرد دخول الشحنات عبر الموانئ، حيث وفرت الإعفاءات الجمركية التي تراوحت بين 2.5 و25 بالمئة مبالغ ضخمة كانت ستذهب لخزينة الدولة، يضاف إليها إعفاء من الضريبة على القيمة المضافة بنسبة 20 بالمئة، ما يعني توفير 20 درهما عن كل 100 درهم من قيمة السلعة. لتؤكد التصريحات الرسمية أن هامش الربح الصافي الناتج عن الدعم والإعفاء فقط وصل إلى 40 درهما في الكيلوغرام الواحد، وهو ما يفسر كيف لشركة تستورد ألف رأس بوزن متوسط 500 كيلوغرام أن تجني 20 مليون درهم كربح ريعي دون عناء التنافسية. أكثر من هذا أن النزيف لم يتوقف عند هذا الحد، بل شمل سيولة نقدية مباشرة بقيمة 500 درهم عن كل رأس غنم، حيث تم استيراد أكثر من 474 ألف رأس غنم، ما كلف الميزانية 237 مليون درهم صرفت كسيولة للمستوردين الذين ابتلعوا هذا الخصم ولم ينقلوه للمستهلك، بدليل استمرار ارتفاع أسعار الأضاحي.

تضعنا مقارنة الميزانيات أمام أولويات مختلة، فمبلغ 13 مليار درهم كان كفيلا ببناء 26 مستشفى إقليميا مجهزا بالكامل، أو تمويل إعادة بناء القطيع الوطني بدعم مليون و300 ألف فلاح بمبلغ 10 آلاف درهم لكل واحد منهم، لكن الدولة اختارت ضخ السيولة في حسابات 200 شخص عوض توزيعها على مليون فلاح، مما أدى إلى إعدام المنتج المحلي والكساب الصغير الذي وجد نفسه غير قادر على منافسة الأبقار المستوردة المعفية من كل الضرائب والرسوم. والنتيجة كانت كارثية بفقدان المغرب لجزء من سيادته الغذائية، وتحويل أزمة اللحوم إلى بورصة يتحكم فيها قلة من النافذين الذين تضاعفت قيمة وارداتهم في شهرين فقط من بداية العام بنسبة 400 بالمئة، في سباق مع الزمن لاستنزاف الدعم قبل أي تعديل محتمل. وتكتمل فصول هذه الجريمة الرقمية عند رصد تضارب المصالح ووجود أسماء برلمانيين ونافذين ضمن لائحة المستفيدين الكبار، مما يفتح الباب أمام شبهة استغلال معلومات سرية وتسريب المراسيم الحكومية قبل صدورها رسميا لإتاحة الفرصة لهذه اللوبيات لاستيراد شحنات ضخمة مسبقا، وهو ما دفع جمعيات حقوقية وهيئات حماية المال العام للتحذير من وزيعة فصلت على مقاس نواب من أحزاب الأغلبية.

الربح المزدوج: التفكيك الرقمي لمعادلة “اللحم المدعوم” بسعر السوق الحرة

يكشف التشريح الميداني لوقائع هذه القضية عن معطيات صادمة تضع الفارق بين التكلفة المدعومة وسعر السوق تحت مجهر المساءلة، إذ تشير التقديرات إلى أن سعر الاستيراد الأصلي للأبقار خارج المغرب يتراوح بين 55 و60 درهما، بينما يبلغ للأغنام ما بين 65 و70 درهما. وبفضل هندسة الربح المزدوج التي وضعتها الحكومة، استفاد المستورد من إعفاء جمركي متوسطه 15 درهما للأبقار و12 درهما للأغنام، يضاف إليه إعفاء من الضريبة على القيمة المضافة بواقع 12 درهما للأبقار و14 درهما للأغنام، علاوة على دعم مباشر للأغنام يقدر بـ 4 دراهم للكيلوغرام الواحد، مما جعل سعر التكلفة الحقيقي على المستورد يهبط إلى مستويات تتراوح بين 28 و33 درهما للأبقار، و35 إلى 40 درهما للأغنام.

لكن المثير للذهول هو أن سعر البيع للعموم في الأسواق ظل مشتعلا بين 90 و110 دراهم للأبقار، و120 إلى 140 درهما للأغنام، ما مكن المستورد من تحقيق هامش ربح خيالي يشمل الدعم يتراوح بين 60 و100 درهم للكيلوغرام الواحد. هؤلاء لم يكتفوا بالربح التجاري العادي، بل حصدوا هدية من خزينة الدولة خفضت تكاليفهم بنسبة 40% ثم انتزعوا ربحا ثانيا من جيوب المواطنين عبر البيع بسعر السوق الحرة، وهو ما يفسر لغز الـ 40 درهما التي أشار إليها المسؤولون كفائض ربح ناتج عن الدعم لم يتم عكسه على الثمن النهائي، بمعنى لو تنازل هؤلاء عن ريع الدعم فقط لكان سعر اللحم اليوم 70 درهما للأبقار و80 درهما للأغنام.

سرقة في واضحة النهار: لغز “التوقيت الذهبي” واختراق القرار الحكومي

تنتقل القضية هنا من نقد الأرقام الصماء إلى نقد النزاهة والمبادئ، كاشفة عن اختلال بنيوي حاد في تدبير تدفق المعلومات داخل المؤسسات الحكومية. فقد استعار الوجدان الشعبي المغربي مصطلح “الفراقشي” الذي يرمز في العرف القروي للمجرم الذي يسرق قوت الفلاح تحت جنح الظلام، ليطلقه على نموذج جديد من الريع القانوني الذي يسرق أمل المواطنين في أسعار عادلة. والفرق الجوهري هنا أن السارق التقليدي يواجه السجن، بينما السارق الجديد محمي بنصوص المراسيم والمناصب السياسية، مما جعل السرقة تتم في واضحة النهار وبمباركة الخزينة العامة.

ويبرز لغز “التوقيت الذهبي” كأكثر النقاط إثارة للجدل قانونيا، حيث رصدت التقارير الحقوقية دخول شحنات ضخمة للموانئ قبل يومين أو ثلاثة فقط من صدور المراسيم في الجريدة الرسمية، وهو أمر لا يمكن تفسيره بالذكاء التجاري لأن استيراد آلاف الرؤوس يتطلب أسابيع من التخطيط واللوجستيك، بل هو استغلال مفضوح لمعلومات سرية مكنت المقريبين من مطبخ القرار من تحقيق أرباح فورية وهدر مبدأ تكافؤ الفرص. هذا، وتأتي اعترافات وزراء في الحكومة بوجود هوامش ربح خيالية وصلت إلى 40 درهما في الكيلوغرام الواحد لتكون بمثابة إقرار رسمي بموت الدولة الضابطة واستسلامها لتغول اللوبيات دون اتخاذ إجراءات زجرية، مما يعني أن الدولة دفعت أرباح المستوردين مباشرة من ميزانيتها لبيع اللحم وكأن الدعم غير موجود، في عملية تمويل عمومي جشع مكنت المستورد من جني ربحين في عملية واحدة.

زلزال سيادي: القصر يسحب “مفتاح الخزينة” ويفرمل تغول اللوبيات

يمثل التدخل الملكي السامي في هذا الملف نقطة انعطاف كبرى تتجاوز مجرد إعادة التنظيم الإداري لتشكل زلزالا في منظومة تدبير الدعم العمومي، إذ إن إسناد ملف إعادة تكوين القطيع الوطني لوزارة الداخلية عبر لجانها المحلية يحمل دلالات عميقة تكرس سحب الثقة من المقاربة القطاعية التي نهجتها وزارة الفلاحة. هذا القرار يعكس إقرارا مؤسساتيا بحدوث اختراق لآليات الحكامة، وتجريدا للوزارة الوصية من صلاحياتها الأصلية كنوع من الفيتو السيادي والعقوبة الإدارية الناعمة بعدما تحولت من دور الحكم إلى طرف في اللعبة، أو على الأقل بعد فشلها الذريع في حماية الـ 13 مليار درهم من تغول الوسطاء.

ويهدف الانتقال نحو الأمننة الإدارية للملف إلى استعادة الضبط الترابي والأمن الغذائي من خلال آليات التتبع الميداني الصارمة التي يمتلكها الولاة والعمال، والقدرة على جرد الفلاحين الحقيقيين بعيدا عن كشوفات المستوردين الكبار التي فصلت في المكاتب المركزية على مقاس لوبيات نافذة. كما جاء التدخل الملكي ليعطي صدى لتقارير الهيئات الحقوقية وحماة المال العام، مؤكدا أن التقارير التي كشفت عن الوزيعة الحزبية قد وصلت لمراكز القرار العليا وتم الوثوق بها لقطع الطريق على الاستغلال الانتخابي للدعم من طرف نواب في الأغلبية استفادوا من كعكة الاستيراد. وبذلك تم تصحيح المسار الاستراتيجي بالانتقال من خديعة تسهيل الاستيراد التي استنزفت العملة الصعبة، إلى هدف إعادة بناء القطيع الوطني وتوجيه الدعم مباشرة للكساب في الجبل والقرية عوض المستورد في الموانئ.

فخ قانون المالية: شرعنة النزيف المستدام وتغييب آليات المحاسبة

لكن الأزمة لم تتوقف عند هذا الحد، بل تحولت إلى نزيف مستدام تم تحصينه قانونيا وهيكليا عندما جرت شرعنة هذه الإعفاءات ضمن القانون المالي، حيث انتقل الدعم من مراسيم إدارية استعجالية قابلة للمراجعة إلى نصوص تشريعية ثابتة، مما منح المستوردين أمانا قانونيا طويل الأمد لمواصلة استنزاف مئات الملايير من ميزانية الدولة وتكثيف وارداتهم في سباق مع الزمن للاستحواذ على الدعم قبل إغلاق نافذته. وفي ظل هذا الوضع، أضحى المواطن رهينة في سوق احتكاري يتحكم فيه 200 شخص يملكون السيولة واللوجستيك، بينما تم إضعاف المنتج المحلي والكساب الصغير بفعل منافسة غير عادلة مع المستورد المدعوم الذي لم يفرض عليه أي سعر مرجعي للمستهلك. هذا الخلل يتوج عبر التغييب المتعمد لمجلس المنافسة وعدم استشارته، تفاديا لفرض آليات الرقابة التي كانت ستفرض حتما انعكاس الدعم على الأسعار ومنع الاحتكار.

ويضعنا تفكيك شيفرة هذه القضية أمام حقيقة واحدة وهي أننا لسنا أمام جفاف الطبيعة بل أمام جفاف الضمير الإداري الذي سمح لـ 200 شخص بأن يقتاتوا على آلام ملايين المغاربة بتمويل رسمي. فمبلغ الـ 1300 مليار سنتيم التي تبخرت في أرصدة “الفراقشية الجدد” ليست مجرد أرقام في ميزانية، بل هي أمانة وطنية تمت سرقتها من بين أسرة المستشفيات ورفوف المدارس لتقدم كقرابين على مذبح الجشع المقنن. واليوم، وبعد أن سحب “الزلزال السيادي” البساط من تحت أقدام مهندسي الأزمة، لم يعد الصمت خيارا، ولم يعد سحب الصلاحيات كافيا، لكون الاختبار الحقيقي لصدقية دولة المؤسسات يكمن في تحويل هذا الملف إلى مراجعة قضائية وجنائية تسترد الأموال المبددة وتحدد المسؤوليات في تسريب المعلومات السرية، مع تفكيك زواج المال والسلطة الذي جعل من قوت المغاربة مادة للمضاربة والإثراء غير المشروع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *