معركة التزكيات بحزب الاستقلال بمكناس تتأرجح بين ضغوط العائلات والتهديد بالاستقالات الجماعية

المستقل | مكناس
تتجه الأنظار داخل البيت الاستقلالي نحو طاولة الأمين العام للحزب، نزار بركة، الذي يجد نفسه في قلب إحدى أعقد الأزمات التنظيمية والسياسية قبل الاستحقاقات التشريعية المرتقب تنظيمها في 23 شتنبر 2026. ولعل الدائرة الانتخابية بمكناس أضحت تختزل بمفردها حجم الصراع المحتدم والموازنات الشائكة التي تحكم تدبير الترشيحات، بعدما تجاوز التنافس أبعاده الحزبية التقليدية ليتداخل فيه النفوذ العائلي والضغوط التنظيمية المباشرة.
وتكشف المعطيات المتوفرة أن قيادة الحزب لم تحسم بعد بشكل نهائي في مجموعة من الترشيحات بالدوائر الحساسة، وفي مقدمتها مكناس التي تحولت إلى جبهة مواجهة مفتوحة. فمن جهة، يمارس عبد الواحد الأنصاري، رئيس جهة فاس مكناس، ضغوطا مكثفة لضمان تزكية ابنته البرلمانية الحالية مروى الأنصاري، بدعم ومساندة من زوجها المستشار البرلماني عثمان الطرمونية، الذي يسعى بدوره للتأثير على أعضاء اللجنة التنفيذية لترجيح كفتها في مواجهة حسن اليمني، البرلماني الذي يتمتع بدعم قوي وقواعد متينة داخل فريق الحزب بمجلس النواب.
وما يزيد الوضع تعقيدا على المستوى الميداني والعائلي، هو بروز خلاف غير مسبوق داخل عائلة الأنصاري نفسها، إثر دعم محمد الأنصاري لترشيح نجله أناس باسم حزب الأصالة والمعاصرة، وهو ما يعني أن اعتماد تزكية مروى الأنصاري قد يضع ابني العم في مواجهة انتخابية وسياسية مباشرة، ترسم ملامح قطبية عائلية تلقي بظلالها على المشهد المحلي.
غير أن المعطى الجديد والأكثر خطورة في شريط هذه الأحداث، يتمثل في رفع سقف الضغط على الأمين العام من خلال إشهار ورقة “الاستقالة الجماعية” لأكثر من 120 موقعا ومناضلا استقلاليا في حال عدم منح التزكية لمروى الأنصاري. هذا التطور الميداني يضع عبد الواحد الأنصاري في موقف من يرمي بكل أوراقه السياسية لحسم المعركة لصالح نجلته، مستغلا الوزن التنظيمي والموقعي لتشديد الخناق على قيادة الحزب.
أمام هذه المعادلة الصعبة، يجد نزار بركة نفسه في حرج سياسي بالغ وموقف لا يحسد عليه، إذ بات خياره متأرجحا بين الخضوع لضغط تزكية العائلات وموازين النفوذ، كما حدث سابقا في انتخابات منظمة الشبيبة الاستقلالية التي شهدت صعود أبناء القيادات والمفتشين، وبين الانتصار لمنطق الكفاءة والاستحقاق والامتداد الشعبي للمرشحين الذي يتطلع إليه القواعد والمناضلون.
ويبدو أن اعتماد سياسة التريث وتأجيل الحسم لم يكن سوى محاولة لامتصاص هذه الموجة المتصاعدة من الضغوط وتقليل كلفة الانقسامات الوشيكة. غير أن هذا التأجيل يتقاطع مع أنباء تفيد بأن ترتيب اللائحة البرلمانية، بشقيها المحلي والجهوي، يتأرجح بين قيادة الحزب على المستوى المحلي، وهو الأمر الذي من شأنه أن يعجل بتفكيك صفوف الحزب حتى قبل انطلاق الحملة الانتخابية، خاصة في ظل اقتناع متزايد لدى القواعد بأن التنظيم بمكناس تحول بوضوح إلى “حزب للعائلات” على حساب تغييب الكفاءات والأطر الحزبية.
وأمام هذه التطورات، يضيق هامش المناورة أمام القيادة الوطنية، حيث إن أي قرار سيتم اتخاذه لن يقتصر أثره على إرضاء طرف على حساب آخر، بل سيعجل بحتمية سحب البساط وتأجيج موجة الاستقالات الجماعية المؤكدة من الطرف الغاضب، مما يهدد بتفكيك التحالفات والولاءات الداخلية وتصدع الهياكل التنظيمية بالمنطقة، ويجعل إدارة هذا الملف اختبارا حقيقيا لمدى قدرة الحزب على فرض الانضباط والقطع مع منطق الضغوط والمحاصصة العائلية في لحظة انتخابية فارقة.