تخريب الحافلات بمكناس.. حين يغتال الإحباط الفكري فرحة الفرج وعرق المخلصين

بقلم | فؤاد السعدي

يشكل حادث رشق حافلة النقل الحضري رقم 26 بالحجارة على مستوى شارع الحزام الأخضر جرس إنذار فاقع يكشف عن عطب بنيوي عميق في التعاطي مع الملك العام، حيث يعري هذا الاعتداء تحولا خطيرا في ثقافة الشارع الميدانية، يتعدى مجرد كونه سلوكا طائشا أو صادما من فئة غائبة عن الوعي، ليقف شاهدا على الفاكهة المسمومة لثقافة التبخيس والإحباط التي أصبحت تستنبت وتروج يوميا عبر منصات التواصل الاجتماعي. هذه الخرجات الفارغة التي يطلقها أصحاب المنصات سعيا وراء “اللايكات” والأرباح المادية السريعة، تسهم في تزييف وعي الناشئة وزرع حالة من النقمة العبثية، حيث يتحول الهدم الرقمي إلى طاقة غضب غير موجهة يتم تفريغها في الممتلكات العامة، وتدفع بالشباب إلى تدمير الخدمة التي تقدم لهم ولأسرهم دون إدراك لحجم الكارثة. هذا الفعل التخريبي جاء ليعكس الترجمة الميدانية الصريحة لخطاب التفتيت الفكري الذي يمارس خلف الشاشات وفي الصالونات المغلقة من طرف سياسيين فاشلين وحثالة رقمية تسعى لضرب كل حركية تنموية وتصوير المدينة كأنها جثة هامدة لا تستحق الأفضل.

وامتدادا لهذا المناخ المشحون، ترسخ هذه المعطيات خطورة الحملات المغرضة التي طالت الحافلات فور دخولها للخدمة، ففي الوقت الذي لقيت فيه هذه المبادرة استحسانا واسعا من طرف الساكنة والعمال، انطلقت أصوات مريضة وحاقدة تشكك في الشريان التنموي بذرائع واهية. وتعالت النشرات السوداوية بين من يروج لاقتناء “خردة طنجة”، ومن يزايد بالمطالبة بالمجانية الكاملة، ومن يختزل هذا المجهود المضني في مجرد ورقة انتخابية لاستمالة الناخبين مع اقتراب الاستحقاقات. هذا الشحن النفسي المريض وتبرير التخريب بذريعة المظلومية أو الفقر ليس احتجاجا بل مجرد غطاء زائف لانعدام الأخلاق والهروب من المسؤولية الأخلاقية، وهو التبرير المباشر الذي يخلق حالة من الجرأة العدوانية لدى العابثين، ويحول الشحن الرقمي إلى حجارة تهشم تطلعات المدينة في الشارع.

تأتي هذه النازلة لتضعنا أمام مقارنة قاسية ومباشرة مع وعي المواطنة في مدن الشمال، ففي عروس الشمال طنجة، ظلت هذه الحافلات في الشوارع لسنوات تؤدي خدماتها اليومية، وحافظت على جودتها وكفاءتها بفضل ثقافة التملك والغيرة الترابية التي يتحلى بها ابن الشمال الذي يرى في المرفق العمومي مكسبا شخصيا وخطا أحمر لا يتم انتهاكه، ويستحيل أن تجده يجلد مدينته أو يشهر بها، بل تجده خط الدفاع الأول عن ممتلكاتها، يمتلك حس المسؤولية العالي والغيرة الصادقة التي تجعله حارسا أمينا على جمالية فضائه العام.

نعم، تم استلام تلك الحافلات بحالة ممتازة تليق بالعاصمة الإسماعيلية، غير أن وصولها إلى مكناس لم يشفع لها أمام مناخ السوداوية الذي يسعى لتصوير كل خطوة إصلاحية على أنها بلا جدوى، لينقلب التقدير الواجب للمرفق العمومي إلى اعتداء إجرامي يحبط جهود التنمية ويكرس الركود.

وأمام هذا السلوك الأرعن، ينكشف حجم الجهل بكواليس القرار الترابي، بحيث يتجاهل أولئك المخربون أن توفير هذا الأسطول في ظرف زمني قياسي لم يكن إجراء روتينيا سهلا، بل كان ثمرة ملحمة إدارية وميدانية مضنية وسباق شاق مع الزمن خاضه عامل عمالة مكناس ورئيس مجلس الجماعة وأطقم الإدارة الترابية لتجاوز تعقيدات المساطر والبحث عن حلول استعجالية لإنقاذ المدينة من سكتتها الحركية والمرورية.

وما يزيد الجريمة بشاعة ويجعلها طعنة في قلب الإنسانية، هو تباينها الصارخ مع المشاعر الصادقة لرجال الميدان، بحيث تتضاعف فداحة الفعل حين نستحضر المشهد الإنساني المؤثر لسائقي الحافلات الذين أجهشوا بالبكاء لحظة تسلمهم المركبات بطنجة، فرحا بنهاية جحيم البطالة وتأمين لقمة العيش الكريمة لبيوتهم. لقد كانت تلك الدموع اختزالا لسنوات من المعاناة الصامتة، والحرمان، والقلق اليومي على قوت العائلات، حيث رأت تلك الأطقم المهنية في هيكل الحافلة طوق نجاة واستعادة لكرامتهم الإنسانية والمهنية بعد طول انتظار. ومن ثم، فرمي الحافلة بالحجارة لم يكن مجرد كسر للزجاج، بل كان سحقا عاطفيا لتلك اللحظة الإنسانية النبيلة، واعتداء سافرا على مشاعر رجال بكوا فرحا بالفرج.

لم يستوعب هؤلاء أن الحافلة في المفهوم الاقتصادي والاجتماعي ليست مجرد هيكل حديدي، بل هي مصدر رزق عائلات بأكملها، وطعنة في ظهر السائق والمعاون، وشريان محرك للتجار والطلبة والعمال نحو مصالحهم اليومية.

يتجاوز الأمر حدود الحزم الأمني والقضائي الصارم المطلوب اليوم ضد المتورطين وضد أولياء أمور القاصرين عبر عقوبات وتجهيزات مراقبة رقمية، ليصل إلى ضرورة إعادة النظر في التربية الترابية ودور الجمعيات ووداديات الأحياء في حماية المرفق العمومي. وبالتالي فاستمرار التزام الصمت تجاه خفافيش التواصل الاجتماعي وصناع الإحباط يمنح الشرعية لخراب الشارع، ويفرض على المجتمع المدني والفاعلين المحليين خوض معركة وعي حقيقية لتطهير الفضاء العام من ثقافة الهدامين، فتصحيح المسار يقتضي صحوة مجتمعية صريحة تقطع الطريق على مروجي السوداوية، وترسخ القناعة بأن الغيرة على مكناس تترجم بالمواطنة المسؤولة وحفظ الملك العام، لا بالانسياق وراء خطابات التشكيك واستسهال التخريب.

فإلى متى يستمر بعض أبناء مكناس في تدمير المكاسب التي تبنى بعرق المخلصين؟ وهل يدرك مروجو الإحباط أن المسؤول الترابي والمجلس المنتخب لا ينتظرون جزاء ولا شكورا، بل ينشدون فقط صيانة الممتلكات العامة التي هي ملك للشعب بأكمله؟ ألم يأن للضمير الجمعي المكناسي أن يستفيق ليفرق بين النقد البناء والتخريب الهمجي؟ وأي مستقبل ننتظره لمدينة يصر بعض العابثين فيها على ردم كل أمل بحجارة الطيش والأحقاد؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *