استحقاق 23 شتنبر بمكناس.. العزوف الانتخابي واختبار النضج المجتمعي

بقلم | فؤاد السعدي

تضعنا محطة 23 شتنبر 2026 أمام حقيقة واحدة لا تقبل التجزئة وهو أن الانسحاب السياسي للكتلة الحضرية ليس موقفا نضاليا ولا رسالة سخط واعية، بل هو تفويض مجاني يسقط للأسف القوة التنموية لمدينة مكناس، ويمنح غيرها حق تقرير مصيرها خمس سنوات كاملة. وهذا المعنى يتكشف بوضوح عند العودة إلى السلوك الانتخابي السابق، الذي يظهر أن المشهد السياسي بالعاصمة الإسماعيلية لا يعاني من غياب الخيارات بقدر ما يعاني من انفصام في الفاعلية، وقد تأكد هذا من خلال أرقام المحطة الانتخابية 2021 التي أبانت عن واقع مأزوم اختارت فيه الطبقة المتعلمة والشباب بالوسط الحضري الانسحاب بنسبة مشاركة خجولة لم تتعد 27.49%، مقابل تعبئة قياسية بالكتلة القروية والهامشية بلغت 68.39% لحسم الخريطة التمثيلية وتحديد أولويات الميزانيات.

ينعكس هذا الاختلال البنيوي مباشرة على جودة الحياة بالحاضرة الإسماعيلية، حيث يتشكل واقع تنموي غير متكافئ يدفع ثمنه بالأساس سكان الأحياء الحضرية والطبقة الوسطى بسبب سلبيتهم الانتخابية. وهنا تتجلى المسؤولية الأخلاقية والقيادية للطبقة المثقفة والمؤطرة، حيث لا يتوقف دورها عند مجرد أدائها لواجبها الاقتراعي لقطع الطريق أمام الفساد والمفسدين، بل يمتد ليشمل التأطير الميداني والتوعية الشعبية لتصحيح بوصلة الاختيار، والتأكيد الدائم على أن العزوف لم يكن يوما حلا بل هو المغذي الأساسي للأزمة.

أكثر من ذلك، تبرر هذه الفئة المتعلمة انسحابها بالادعاء المتكرر بأن الوجوه هي التي تتغير فقط دون السياسات، بينما تغفل عن حقيقة صادمة مفادها أنها هي من مهدت الطريق لصعود تلك الوجوه بتركها الساحة فارغة وتخليها عن سلطة التغيير. ونتيجة لهذه السلبية المركبة، يؤدي تواري هذا الصوت الشاب والمثقف عن صناديق الاقتراع إلى منح القوة المجانية للفاعلين التقليديين لحسم المقاعد النيابية والمجالس الترابية، وتكريس الركود في النخب، مع ما يترتب عن ذلك من جمود في البنيات التحتية وتراجع للجاذبية الاستثمارية لمدينة مكناس، على اعتبار أن من يتنازل طوعا عن أداة التوجيه والمحاسبة لا يحق له منطقياً انتظار مخرجات مختلفة.

استكمالا لهذه الرؤية المنطقية، ينبغي للناخب المكناسي إدراك أن التصويت ليس مجرد تزكية لأشخاص، بل هو تعاقد تنموي تمنح فيه المدينة 15 دقيقة فقط من وقت ساكنتها لحماية 1825 يوما من المستقبل والتدبير الترابي. ومع ما تشهده مكناس اليوم من دينامية وتسارع في وتيرة المشاريع، تغدو المشاركة المكثفة مؤشرا حقيقيا على النضج المجتمعي لساكنة واعية تعبر عن استحسانها لهذه النهضة، وترسل إشارة صريحة للمسؤولين مفادها أن الاستجابة للتنمية تقابلها مشاركة مسؤولة تحمي هذه المكتسبات وتضمن استمرارها. وفي مقابل هذه الفرصة التاريخية لتثبيت بوصلة الإنجاز، يصبح التخلي عن هذه الدقائق المعدودة هدرا غير مبرر للوطن والمدينة، مما يضع الكتلة الناخبة المتعلمة والشباب في مواجهة صريحة مع أسئلة حارقة تستفز الضمير السياسي وتكشف حجم المفارقة. إذ كيف يستقيم ادعاء الوعي والثقافة حين تستقيل الفئة المؤطرة من أبسط واجبات المواطنة، وتترك مقدرات ومصير مكناس لرغبات الأقليات؟ وإلى متى ستستمر هذه النخب في ممارسة البكاء السياسي والتذمر من جمود البنيات التحتية، بينما تسببت سلبيتها يوم الاقتراع في تمهيد الطريق لصناع هذا التردي؟ لقد حان الوقت للاقتناع بأن التغيير لا يستجدى بالعزوف، وأن المشاركة المكثفة يوم 23 شتنبر 2026 هي الفاصل الوحيد بين مواطن يساهم في بناء حاضرة مدينته، ومتفرج يستحق التهميش الذي يفرزه غيابه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *