جماعة مكناس توضح.. استفادة الجماعات المجاورة من النقل الحضري تخضع لمساطر قانونية وليست قرارا فرديا

تتصاعد بين الفينة والأخرى على منصات التواصل الاجتماعي مطالب موجهة لجماعة مكناس بتوفير خدمة الحافلات لفائدة بعض الجماعات الترابية المجاورة، وسط تعليقات متسرعة تحمل المسؤولين المحليين تقاعسا أو عرقلة في الاستجابة لهذه المطالب، دون إدراك حقيقي لطبيعة المسطرة القانونية التي يفرضها التشريع المغربي على تدبير قطاع النقل الحضري.
ولفهم حقيقة الوضع، لا بد من استحضار تحول جوهري عرفه تدبير هذا القطاع بالعاصمة الإسماعيلية، ففي السابق، حين كان مسندا لشركة مفوض لها التدبير، وكانت هوامش المرونة في التعامل مع طلبات الجماعات المجاورة قد تبدو أوسع نسبيا، باعتبار أن الشركة المفوضة تتحرك ضمن منطق تعاقدي وتجاري مستقل عن المساطر الجماعية الصرفة. أما اليوم، وبعد أن أصبحت جماعة مكناس نفسها هي المتصرفة المباشرة في قطاع النقل الحضري، فإن الأمر يخضع لمنطق مختلف تماما، يحكمه القانون التنظيمي للجماعات الترابية (113.14) ومساطر التدبير العمومي المحلي.
وخلافا لما يتم الترويج له أحيانا من أن الأمر مجرد قرار إداري يمكن اتخاذه بشكل فوري أو بمجرد جرة قلم، فإن استفادة أي جماعة مجاورة من خدمة الحافلات التابعة لجماعة مكناس تستلزم مرور عملية تعاقدية كاملة ومؤطرة قانونيا، تبدأ من مسطرة إبرام اتفاقية تعاون أو شراكة بين جماعة مكناس والجماعة الترابية الراغبة في الاستفادة، أو اللجوء إلى الآليات المتقدمة التي أتاحها القانون مثل تفعيل خيار مؤسسة التعاون بين الجماعات كإطار ترابي ومؤسساتي استراتيجي لإدارة المرافق ذات النفع المشترك.
وتحدد هذه الأطارات التعاقدية بدقة الشروط التقنية والمالية والقانونية للتعاون، ولا تكتمل هذه العملية إطلاقا إلا بعرض الاتفاقية على المجلس الجماعي لمكناس للمداولة والمصادقة عليها. كما أن أي التزام يهم تدبير مرفق عمومي جماعي، وما قد يترتب عنه من التزامات مالية أو تقنية أو أعباء على الأسطول، يستوجب قرارا جماعيا صريحا يتخذه المجلس المنتخب ولا يمكن خضوعه إطلاقا لتقدير فردي أو شفهي. كما أن الاتفاقية أيضا لا تدخل حيز التنفيذ إلا بعد استكمال هذه المصادقة والتأشير عليها من طرف السلطات الترابية المختصة، وليس بمجرد التوقيع الفردي أو الإعلان عن النية في إبرامها.
جدير بالذكر أن هذا التسلسل الإجرائي ليس عائقا بيروقراطيا يضعه المسؤولون المحليون عن قصد أو رغبة في الإقصاء، بل هو ضمانة قانونية ومؤسساتية قصوى تهدف إلى حماية المال العام وحوكمة التدبير الجماعي من أي التزامات يتم اتخاذها خارج الأطر الصريحة والمخولة قانونا. فجماعة مكناس، بصفتها المدبرة المباشرة لقطاع حيوي كالنقل الحضري، ملزمة بالمرور عبر هذه المسارات كلما تعلق الأمر بتوسيع الخدمة خارج الحدود الترابية للجماعة، تماما كما هو معمول به في أي شراكة بين الجماعات الترابية بخصوص أي مرفق عمومي آخر.
وبعيدا عن الأحكام المتسرعة والمزايدات التي تطلق أحيانا عبر الفضاء الأزرق، فإن الاستجابة لمطالب الجماعات المجاورة بتوفير خدمة النقل الحضري ليست مسألة إرادة أو امتناع من عدمها، بل هي مسار إداري وقانوني يستغرق وقته الطبيعي والمؤسساتي، ويمر إلزاميا عبر التفاوض والتعاقد ثم المصادقة المجلسية والتأشير الإداري، قبل أن يصبح قابلا للتفعيل الواقعي وخدمة المواطنين في إطار من الشفافية وسيادة القانون.