الرباط.. “انتفاضة البدلة السوداء” تفجر نقاشا حول تصفية وسائط الرقابة وتكبيل حماة المال العام

لم يعد اعتصام المحامين المفتوح أمام مبنى البرلمان مجرد خطوة احتجاجية فئوية للدفاع عن مكتسبات مهنية، بل تحول إلى مؤشر على أزمة سياسية وحقوقية أعمق ترتبط برغبة جهات نافذة في إضعاف بنيات المجتمع المدني والصحافة والنقابات، وإقصائها كليا من معركة مكافحة الفساد وتخليق الحياة العامة.

وفي هذا السياق، أعاد محمد الغلوسي، المحامي ورئيس الجمعية المغربية لحماية المال العام، وضع هذا الاحتجاج داخل سياق سياسي أوسع، محذرا من أن المعركة الحالية تمس مستقبل أدوار ومساحات تحرك القوى المدنية والحزبية في مراقبة الشأن العام. واعتبر الغلوسي أن تمرير المقتضيات التقييدية الجديدة يطرح سؤالا جوهريا حول ما إذا كانت البلاد تتجه نحو تقوية آليات الرقابة والمحاسبة، أم نحو تقليص مساحة تدخل الفاعلين المهنيين في قضايا حماية المال العام.

من جهة أخرى، شدد الغلوسي على أن المحاماة ليست مجرد مهنة قانونية جافة بل رسالة مرتبطة بضمان حصانة الدفاع وحرية المواطن، مؤكدا أن أي مساس باستقلاليتها ينعكس تلقائيا على جودة العدالة وثقة المجتمع في المؤسسات. وفي ذات الصدد، ربط رئيس الجمعية المغربية لحماية المال العام بين هذا المسار التشريعي المثير للجدل وبين محاولات إضعاف أدوار الصحافة والأحزاب، معتبرا أن غياب هذه الوسائط يعمق الفراغ الاجتماعي ويترك المواطن في مواجهة مباشرة مع الإدارة والسلطة دون قنوات ترافع فعالة.

وعلى مستوى التدبير المالي، انتقد الغلوسي استمرار غياب تجريم فعال للإثراء غير المشروع وتضارب المصالح، مستحضرا الجدل المرتبط بملفات الدعم العمومي الموجه لما وصفه بـ”الفراقشية”، حيث طالب بإخضاع هذه القطاعات لمنطق الشفافية وإمكانية اللجوء إلى لجان تقصي الحقائق لقطع الطريق أمام الريع واستغلال النفوذ.

ومع اقتراب استحقاقات شتنبر، أوضح الغلوسي أن مناخ الثقة ونزاهة الحياة العامة يشكلان التحدي الأبرز للمرحلة، مؤكدا أن المواطن لا ينتظر مجرد بيانات أو وعود شفوية بمحاربة الفساد، بل يتطلع إلى نتائج ملموسة وتحويل التقارير الرقابية إلى مسارات قضائية واضحة. ودعا الغلوسي في ختام موقفه إلى تفعيل التقارير الصادرة عن المؤسسات الدستورية لبعث الأمل في دولة الحق والقانون، معتبرا أن حراك أصحاب البدلة السوداء يضع الدولة أمام خيارين لا ثالث لهما، إما تقوية مسارات المساءلة، أو إبقاء دار لقمان على حالها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *