المعارضة تبيع الوهم للمغاربة وتجهض “تقصي الحقائق” لحماية الفراقشية ومصالحها الانتخابية

تواجه العمليات الرقابية داخل قبة البرلمان المغربي مأزقا هيكليا يعيد طرح تساؤلات حارقة حول جدوى وجدية جبهة المعارضة في مواجهة العمل الحكومي؛ ففي الوقت الذي ينتظر فيه الرأي العام حركية رقابية حازمة، تحولت جل المبادرات والملفات التي تطرحها فرق المعارضة إلى فرقعات إعلامية تولد ميتة في رداهات مجلس النواب، مكرسة عجزا تنظيميا يتجاوز ضعف العدد إلى غياب العقيدة السياسية الموحدة.
تعد المبادرة الأخيرة المتعلقة بمقترح تكوين لجنة لتقصي الحقائق نموذجا صارخا لهذا الشلل؛ فبعد أن حظيت الخطوة بصدى إعلامي واسع وتفاعل ملحوظ على منصات التواصل الاجتماعي، تراجعت الاندفاعة فجأة عند الشروع الفعلي في الإجراءات، لتدخل المبادرة نفق الخلافات العميقة والتراجعات غير المبررة بين مكونات المعارضة نفسها. والمفارقة الصادمة هنا تجلت في كون بعض فرق الأغلبية الحكومية أبدت مواقف إيجابية أولية ورحبت بدراسة المشاركة في اللجنة، إلا أن غياب التوافق البيني للمعارضة وفشلها في صياغة مقترح نهائي موحد حال دون عرض الخطوة على مناقشة مجلس النواب.
هذا الفشل المتكرر يحيل مباشرة على أزمة عميقة في الهوية السياسية للمعارضة الحالية؛ إذ تبدو التحركات في كثير من الأحيان خاضعة لديكتاتورية الميديا وهوس البحث عن البطولة الرقمية السريعة (الترند)، دون امتلاك النفس الطويل أو الإرادة السياسية الصادقة لمتابعة الملفات إلى نهايتها المعمارية والمؤسساتية. ويفقد تحويل الرقابة البرلمانية إلى أداة للاستهلاك الإعلامي اللحظي المعارضة مصداقيتها ويحولها في نظر المواطن إلى مجرد ظاهرة صوتية تنتهي صلاحيتها بانتهاء التغطية الصحفية.
من جانب آخر، تعيش فرق المعارضة على وقع حسابات سياسوية ضيقة ومصالح انتخابية مبكرة تفرمل أي تنسيق حقيقي؛ فالعديد من الأحزاب تفضل تكتيك إمساك العصا من المنتصف والحفاظ على شعرة معاوية مع مكونات الأغلبية، طمعا في تحالفات مستقبلية أو تفاهمات تحت الطاولة، وهو ما يجعل مواقفها الرقابية مجرد مناورات تكتيكية لرفع الأسهم التفاوضية لا غير. يضاف إلى ذلك تضارب المصالح البنيوية داخل هذه الفرق، خاصة حين تمس التحقيقات أو اللجان المقترحة ملفات ريعية أو فئات معينة كـ”الفراقشية” وأصحاب المصالح الذين تسللوا إلى الحقل التدبيري، مما يجعل إجهاض المبادرات من الداخل وسيلة لحماية بيوت من زجاج.
وتقتضي الممارسة الديمقراطية السليمة معارضة قوية، منسجمة، وقادرة على تشكيل حكومة ظل رقابية وليس مجرد تكتلات تذوب عند أول منعطف تفاوضي؛ واستمرار الوضع على هذا المنوال من التشتت والارتهان للمصالح الذاتية لا يخدم سوى تغول الأغلبية، ويسهم بشكل مباشر في تعميق العزوف السياسي لدى المواطنين الذين باتوا يدركون أن معارك البرلمان غالبا ما تنتهي بصلح المصالح والمنافع.