صناع المحتوى يلاحقون عائلات لاعبي المنتخب بالمونديال.. ومطالب لحمايتهم من هوس “الترند”

تجاوز شغف الجماهير بأسود الأطلس في مونديال 2026 حدود التشجيع الرياضي النظيف، لينزلق نحو ظاهرة مقلقة استهدفت بيئة المنتخب الإنسانية وخيمت على أجوائه المونديالية؛ حيث تحول الوصول إلى أسر اللاعبين، من أمهات وآباء وزوجات وأطفال، أسهل بكثير من الوصول إلى النجوم أنفسهم. وتحولت هذه العائلات، في لحظات كان يفترض أن تخصص للفرح الوطني الخالص، إلى مرمى مباشر لكاميرات بعض صناع المحتوى والمؤثرين الذين يلاحقونهم بلا هوادة بين الممرات والمدرجات، في مطاردة محمومة عن لقطة عاطفية ترفع منسوب المشاهدات والتفاعل، وكأن الخصوصية الإنسانية أصبحت عملة رخيصة في سوق “الترند” الرقمي.

هذا السلوك التطفلي لا يقتصر أثره السلبي على إزعاج العائلات فحسب، بل يخدش صورة مشروع كروي وطني بني على أسس صارمة من الانضباط والاحترافية؛ فمن المفارقات الصادمة أن هذا الفريق الذي انتزع احترام العالم داخل المستطيل الأخضر، يجد نفسه اليوم محاصرا بسلوكيات عشوائية تخترق نطاقه الخاص وتخلط بقصد أو دون قصد بين مساندة النجم واقتحام حياته الأسرية. ولم تعد هذه التصرفات مجرد انفلاتات فردية معزولة، بل تكرست كظاهرة حقيقية أكدتها الشهادة الصادمة التي نشرها “أكرم الصيباري”، شقيق اللاعب الدولي إسماعيل الصيباري، والتي وجه من خلالها نداء صريحا ومؤثرا يطالب فيه باحترام والدته وعائلته، مما يعكس تلاشي الحدود الطبيعية بين حق الجمهور في التعبير عن إعجابه وحق الفرد في حماية أسرته من الابتذال والتصوير القسري.

ومع الاعتراف التام بالدور المحوري الذي تلعبه منصات التواصل الاجتماعي في نقل الأجواء الحماسية للمباريات بكفاءة ومهنية من طرف صناع محتوى جادين، إلا أن الأزمة الحقيقية تنفجر حين تصبح الهواتف أدوات للتجسس والتطفل الإنساني دون أي تفويض أو صفة رسمية، حيث يتصرف هؤلاء الجدد بعقلية “الباباراتزي” وسط الجماهير، غير مبالين بحجم الإحراج والإرهاق النفسي الذي يسببونه لأشخاص لم يختاروا الأضواء، بل حضروا كأي أسر عادية لمؤازرة أبنائهم في محفل عالمي استثنائي.

وإذا كان من الإجحاف تحميل الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم مسؤولية التدبير التنظيمي واللوجستيكي داخل ملاعب كأس العالم، لكونها تقع تحت سلطة الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) واللجان المحلية للدول المستضيفة، فإن هذا المعطى لا يسقط بأي حال من الأحوال مسؤولية الجامعة في حماية المحيط المباشر للبعثة. لاسيما وأن رئيسها فوزي لقجع قد أعلن بشكل رسمي استمرار مرافقة عائلات اللاعبين للمنتخب بناء على الفلسفة النفسية والذهنية الناجحة التي تم اعتمادها منذ مونديال قطر 2022؛ حيث أصبحت العائلة جزءا لا يتجزأ من منظومة صناعة الإنجاز الكروي، وبالتالي فإن توفير الحماية المعنوية والجسدية لهذه الأسر، التي حلت بدعوة ونفقة من الجامعة لتكون سندا للاعبين، يعد امتدادا واجبا وتطبيقا حتميا لتلك الرؤية، حتى لا يتحول مصدر الاستقرار والاطمئنان إلى بؤرة للضغط والقلق النفسي.

اليوم المطلوب ليس عزل العائلات خلف أسوار حديدية أو حرمان الجماهير من التعبير العفوي عن محبتهم، بل يتطلب الأمر صياغة مدونة سلوك مؤسساتية واضحة وملزمة تنظم قنوات التواصل مع محيط المنتخب وتضع خطوطا حمراء أمام المتطفلين، بالتنسيق الوثيق مع اللجان المنظمة لتأمين فضاءات خاصة تحمي خصوصية الأسر؛ فالجامعة التي أثبتت كفاءة استثنائية في بناء مشروع رياضي رائد قاريا ودوليا، تقف الآن أمام اختبار حقيقي لإثبات جدارتها خارج رقعة الميدان؛ إذ إن المنتخبات العظمى لا تقاس فقط بالألقاب والانتصارات، بل بقدرتها الفائقة على صون كرامة وحماية الإنسان الذي يقف خلف تلك الانتصارات ويصنع أمجادها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *