أحداث سبتة بلسان “جيل Z”.. حين يصبح العبور العفوي ردا على انسداد الأفق

بقلم | فؤاد السعدي
انشغل النقاش العمومي بالمغرب، عقب أحداث النزوح الجماعي نحو مدينة سبتة المحتلة، بسؤال واحد يكاد يستحوذ على كل التحليلات والتصريحات السياسية وهو، من الذي دبر هذه الموجة؟ وهو سؤال مشروع بلا شك، لكنه يحجب سؤالا آخر أكثر جوهرية وأعمق أثرا وهو، لماذا استجاب آلاف الشباب المغربي، في ظرف ساعات معدودة، لدعوة نزوح جماعي نحو مصير مجهول، دون أن يكون هناك أي مبرر موضوعي واضح يفسر هذا الاندفاع؟ فلا حرب تدفع للفرار، ولا كارثة طبيعية تفرض النزوح، بل مجرد “دعوة” متداولة رقميا كانت كافية لتحريك هذه الجحافل البشرية نحو حدود محروسة ومصير غامض. وحتى وإن بدا هذا السؤال أقل إثارة سياسيا من سؤال “من المسؤول؟”، إلا أنه الأجدر بالتحليل العميق، لأنه يفتح الباب أمام فهم أدق لحالة نفسية واجتماعية تعيشها شريحة واسعة من الشباب المغربي، بصرف النظر عن الجهة التي أطلقت الشرارة الأولى لهذه الموجة.
ولكي نضع هذه الاستجابة المباشرة في إطارها الصحيح، لا بد أولا من التمييز بين نمطين مختلفين جوهريا من الهجرة، حيث جرى العرف تقليديا على فهم الهجرة غير النظامية بالمغرب باعتبارها قرارا فرديا يتم اتخاذه بعد تفكير وتخطيط يمتدان لأشهر أو سنوات، بدءا من ادخار المال، مرورا بالبحث عن شبكات التهريب، وانتهاء بانتظار الظرف المناسب للعبور. أما ما وقع بمدينة سبتة المحتلة، فهو نمط مختلف تماما، تجسد في استجابة جماعية آنية تحققت في غضون ساعات ودون تخطيط مسبق لدى غالبية المشاركين فيها، وهو ما يقربها أكثر من منطق الحشد الرقمي العفوي منه من منطق الهجرة المدروسة بمفهومها الكلاسيكي. وهذا التمييز التنظيمي يتجاوز مجرد التدقيق المفهومي ليغير زاوية النظر إلى الظاهرة بالكامل، حيث نجد أنفسنا هنا ليس أمام أفراد اتخذوا قرارا هادئا، بل أمام كتلة بشرية تحركت بشكل شبه انعكاسي إثر إشارة جماعية، بصرف النظر عن مصداقيتها أو واقعيتها.
وهنا يطرح التساؤل نفسه حول الخزان النفسي الذي جعل هذه الإشارة تلقى هذا الصدى السريع، على اعتبار أنه يصعب تفسير هذا الاندفاع الجماعي بمعزل عن حالة تراكمية عاشتها شريحة واسعة من الشباب المغربي على مدى سنوات، يمكن تسميتها بأزمة الانتظار، وهي انتظار فرصة تشغيل لا تأتي، وانتظار تعليم يفتح آفاقا لا يفتحها، وانتظار سكن لائق يظل بعيد المنال، وانتظار عام لأفق اجتماعي يمنح إحساسا بالجدوى والمستقبل. هذا التراكم الطويل من الانتظار المحبط لا ينتج بالضرورة يأسا فرديا معزولا، بل يخلق حالة نفسية جماعية أقرب إلى الاستعداد الدائم للاستجابة، بحيث تصبح أي فرصة، ولو كانت غامضة أو غير مؤكدة، كافية لتفجير هذا الاستعداد الكامن وتحويله إلى فعل جماعي مباشر، أي إن هذه الأحداث لم تخلق الرغبة في المغادرة من العدم، بل وجدت أرضية خصبة ومهيأة سلفا لاستقبال أي إشارة مهّما كانت هشة.
ومن هذا المنطلق تحديدا، تتضح ضرورة تصحيح مغالطة شائعة في النقاش العمومي، وهي اعتبار مواقع التواصل الاجتماعي سببا قائما بذاته لهذه الظاهرة، لأن الأدق هو اعتبارها قناة تفعيل سريعة وفعالة لرغبة كانت كامنة بالأصل، لا مصدرا لخلقها من فراغ، بحيث لم يصنع الفضاء الرقمي الدافع للهجرة، لكنه وفر له آلية انتشار وتعبئة غير مسبوقة في سرعتها ونطاقها. وتتكامل هذه القناة الرقمية مع آليات سيكولوجية معروفة في علم النفس الاجتماعي تؤطر السلوك الجمعي، حيث يحل التضامن الانفعالي والمحاكاة الجماعية العفوية، أو بعبارة أدق تأثير القطيع محل التفكير الفردي الهادئ، فيغدو رؤية الآخرين وهم يتحركون نحو هدف معين حافزا كافيا للانضمام إليهم، بمنطق ضمني مفاده أنه إذا كان الجميع يتحرك، فربما تكون هذه فرصة نادرة لا تتاح كل يوم. وهذا المنطق يزيح التفكير العقلاني المستقل لصالح نوع من العقلانية الجماعية المؤقتة، التي تستمد مشروعيتها من كثافة المشاركين فيها لا من صحة مضمونها.
ولعل ما يعمق فعل هذه المحاكاة الجماعية ويضاعف تأثيرها هو الفجوة الحاصلة بين الصورة المتخيلة للضفة الأخرى وبين واقعها الفعلي، فالقرب الجغرافي الشديد بين المغرب وسبتة، الذي لا يتجاوز كيلومترات معدودة، يخلق إحساسا نفسيا مضخما بإمكانية الوصول إلى حياة أفضل، وهو إحساس لا يتناسب بالضرورة مع الفوارق الفعلية أو الصعوبات الحقيقية التي تنتظر أي مهاجر هناك، من وضعية قانونية هشة إلى ظروف استقبال محدودة. وتتعاظم هذه الفجوة وتترسخ أكثر بفعل محتوى رقمي انتقائي يبرز قصص النجاح ويغفل نماذج التعثر، مما يعزز الإحساس بأن العبور في حد ذاته كفيل بحل المعضلة برمتها.
غير أن تعميق النظر في خلفيات هذه الديناميكية يكشف عن جانب أكثر خطورة، يتجلى في عجز البنية التنفيذية والسياسية عن القراءة المبكرة لدوافع وتطلعات “جيل Z”، وتجاهل شفرات احتجاجاته وتعبئاته الرقمية المتكررة. ففي الوقت الذي يتطلب فيه الوضع مقاربة تنموية وسوسيولوجية تستوعب أسئلة هذا الجيل حول الكرامة، والاعتراف، وتوفير أفق مستقبلي ملموس، ظلت الاستجابات الرسمية محصورة غالبا في التدبير الأمني والضبط التقني، مما يكرس الفجوة الإدراكية والتواصلية بين زمن إداري بطيء وزمن رقمي فوري يشتغل وفق منطقه هؤلاء الشباب. هذا التعاطي التجميلي يغفل أن هذا الجيل لا يمكن مخاطبته باللغة الخشب أو الوعود المؤجلة، وأن استمرار التعامي عن دوافعه الحقيقية لا يلغي أصل المشكلة بقدر ما يراكم احتقانا كامنا، في ظل استقالة شبه تامة للأحزاب ووسائط الوساطة الكفيلة بفتح حوار حقيقي وتصحيح المسار قبل فوات الأوان.
وبترتيب هذه الحلقات المتشابكة، نصل إلى حقيقة مفادها أن أحداث سبتة، ومهما كانت الجهة التي أشعلت فتيلها الأول، تظل مؤشرا يتجاوز حدود الحدث الأمني العابر لتكشف عن تصدع أعمق في الوعد الاجتماعي بين الدولة وفئة واسعة من شبابها. فحين يصل جزء من الشباب إلى درجة الاستعداد للمخاطرة بحياته استجابة لدعوة غير مؤكدة، فإن ذلك يستدعي تساؤلا أعمق من مجرد “من المسؤول سياسيا؟”، ليطرح سؤالا وجوديا حول طبيعة العلاقة بين الدولة ومواطنيها الشباب، ومدى قدرتها على توفير أفق حقيقي يجعل الاستقرار في الداخل خيارا أكثر جدوى من المخاطرة نحو الخارج. وبين هذين السؤالين، السياسي والسوسيولوجي، تبقى الحاجة قائمة لنقاش هادئ ومعمق يضع الإصبع على الجرح الحقيقي، بمعنى، أزمة انتظار طويلة، وجدت في لحظة عابرة متنفسا جماعيا غير مسبوق.