16 مليون خارج المعادلة.. دراسة حديثة تفكك أسباب أزمة العزوف الانتخابي بالمغرب

أماطت دراسة سوسيولوجية وأكاديمية حديثة اللثام عن الدوافع العميقة المفسرة لتراجع المشاركة السياسية بالمغرب، مؤكدة أن ظاهرة العزوف الانتخابي لا ترتبط بتنصل المواطنين من الخيار الديمقراطي في حد ذاته، بل تعكس أزمة ثقة متجذرة وتوترا مسددا في العلاقة بين الناخبين والتنظيمات الحزبية، التي باتت عاجزة عن تمثيل تطلعات المجتمع وتحويلها إلى برامج عمل واقعية.

وأوضحت المعطيات الصادرة عن المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة أن هناك فجوة أرقام وحجوم هائلة تجعل ملايين المواطنين خارج مسار الاستحقاقات الوطنية، إما لغياب القيد الإرادي في اللوائح العامة للانتخابات أو الامتناع عن التوجه نحو صناديق الاقتراع يوم التصويت.

وفي قراءة متفحصة للبنية الرقمية للهيئة الناخبة المفترضة، أبرز التقرير أن إجمالي المسجلين باللوائح الانتخابية يبلغ نحو 17 مليون شخص من أصل 25 مليونا ممن يحق لهم التعبير عن أصواتهم مكفولين قانونيا وسنيا. غير أن عدد المشاركين الفعليين الذين مارسوا حقهم الدستوري في التصويت لا يتجاوز 8.8 ملايين ناخب، وهو ما يفيد بوجود كتلة صامتة تتجاوز 16 مليون مواطن يظلون خارج نطاق الفعل الانتخابي المباشر.

وقد تجلت هذه الفجوة بوضوح خلال محطة تشريعيات 2021، بحيث لم تتعد نسبة المشاركة الصافية للمواطنين البالغين سن الاقتراع سقف 35 في المائة، مما يعكس شللا في وظائف التأطير السياسي والوساطة المجتمعية لدى الفاعلين الحزبيين.

ولعل الأرقام الصادمة لا تنفصل عن التحول العميق في سلوك الشارع، حيث تشير القراءة السوسيولوجية للبيانات إلى أن المغرب يعيش حالة من التصويت الجزئي، يمارس فيها الفعل الديمقراطي إداريا وتنظيميا، بينما يفتقد للكتلة الحيوية الداعمة بسبب تحول الأحزاب إلى هياكل موسمية ترتبط بالمواعيد الانتخابية وتغيب عن التنشيط اليومي للشارع.

كما يبرز هذا العزوف الشامل صعود شكل جديد من السياسات غير المؤسساتية لدى الفئات الشابة، إذ يفضل المواطن التعبير عن آرائه ومطالبه خارج القنوات التقليدية، سواء عبر التعبئات الرقمية أو المبادرات التضامنية المباشرة، كبديل للبرامج الحزبية التي يرى أنها لا تستجيب لرهاناته الاقتصادية والاجتماعية.

ويضع هذا التباين الكبير بين حجم الهيئة الناخبة المفترضة ونسبة العبور إلى الصناديق سؤال شرعية التمثيلية أمام الأحزاب برمتها، بالنظر إلى أن المؤسسات المنتخبة تصبح معبرة عن أقلية عدادية من المواطنين، مما يتطلب مراجعة شاملة لأساليب الخطاب السياسي وإعادة النظر في طرق إعداد النخب لردم الفجوة القائمة واستعادة الثقة في وسائط الدولة والمجتمع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *