مؤتمر (CGLU) بطنجة.. منظمون مغاربة يصرفون الملايين على “البرستيج” ويحكمون بالإعدام الإعلامي على القمة بارتجالية آخر لحظة

في الوقت الذي تستعد فيه مدينة طنجة لاحتضان فعاليات المؤتمر العالمي لمنظمة المدن والحكومات المحلية المتحدة (CGLU) والقمة العالمية للقادة المحليين والإقليميين، تطفو على السطح فضيحة تدبيرية وتواصلية من العيار الثقيل بطلها المسؤولون المغاربة المكلفون باللجنة التنظيمية المحلية، والذين أبانوا عن قمة الاستخفاف والارتجالية في التعامل مع الجسم الصحفي الوطني والجهوي.
فقد فجر أسلوب تدبير ملف الإعلام في هذا المحفل الدولي عاصفة من الغضب والاستياء العارم في أوساط الإعلاميين؛ إذ انتظر الساهرون على التنظيم محليا حتى آخر رمق وآخر لحظة لإرسال الدعوات وفتح باب التغطية، في سلوك يكرس عقلية تدبيرية بائدة تستهين بالدور الإستراتيجي للسلطة الرابعة، وتتعامل مع الصحافة كمؤثث بروتوكولي أو ملحق إداري تابع لأجنداتهم، وليس كشريك أساسي في تقييم ومواكبة السياسات العمومية والمحلية.
السريالية الفاضحة في كواليس هذا المؤتمر، الذي يفترض أنه يناقش قضايا حيوية كالسكن، والعدالة المناخية، ومستقبل المدن لما بعد 2030، تتجلى في غياب أي ميزانية مخصصة للإعلام والتسويق والترويج الهادف. ففي الوقت الذي تم فيه رصد ميزانيات ضخمة تقدر بالملايين لتغطية لوجستيك “البرستيج”، والفنادق المصنفة، وحفلات الاستقبال الباذخة للوفود الأجنبية، سقط الشق التواصلي في فخ تقشف غريب وتعتيم مريب؛ وهو ما يطرح تساؤلات حارقة ومشروعة حول خلفيات هذا الإقصاء وما إن تعمد المنظمون المغاربة إبعاد الصحافة الاستقصائية والناقدة تفاديا لفتح ملفات الكلفة الحقيقية للمؤتمر؟ وأين تذهب ملايين إذا كان الحدث يمر بلا هوية تسويقية تليق بحجم المملكة؟
جدير بالذكر أن ما غاب عن مخيلة هؤلاء المسؤولين هو أبسط قواعد العلوم التدبيرية الحديثة؛ فالتاريخ والواقع يثبتان أن نجاح أي ملتقى دولي أو فشله يبقى رهينا بالزخم الإعلامي والمواكبة الصحفية الاحترافية التي ترافق كواليسه. فبدون تسويق إعلامي ذكي ومستدام، تتحول هذه المؤتمرات الضخمة إلى مجرد جزر معزولة ولقاءات صالونات مغلقة لا صدى لها، وتنتهي بمجرد مغادرة الوفود دون أن تحقق أي إشعاع حقيقي سواء للمدينة أو للبلد المضيف. ولعل حرمان الصحافة المحلية والوطنية من وسائل العمل والمعطيات في وقت مبكر، هو تدمير ممنهج للهوية الإشعاعية لمدينة طنجة، وإهدار لفرصة ذهبية لتسويق المغرب كمنصة دولية قادرة على احتضان كبريات التظاهرات العالمية المقبلة بكفاءة تواصلية توازي كفاءته اللوجستيكية.
أمام هذا الارتباك الصارخ والتهميش الممنهج، يجد الرأي العام نفسه أمام مفارقة تدبيرية فجة؛ مؤتمر عالمي يرفع شعارات رنانة حول الديمقراطية المحلية، التشارك، وإشراك المجتمعات والمجتمع المدني، بينما يمارس منظموه المغاربة ميدانيا أبشع صور الإقصاء والتعتيم والاستخفاف بكرامة الصحفي المغربي، وهو وضع مشبوه يضع كفاءة هؤلاء المسؤولين على المحك، ويستدعي تدخلا حازما لإعادة ترتيب الأولويات وربط المسؤولية بالمحاسبة في صفقات التنظيم و”البرستيج”.