بنكيران يطالب بلجنة تقصي حقائق ملكية بعد صدمة أحداث سبتة ويحذر من فقدان الثقة لدى الشباب

في موقف سياسي لافت يعكس حجم الذهول والإرباك الذي خلفته التطورات الميدانية الأخيرة بالنفوذ الترابي المحاذي لمدينة سبتة المحتلة، خرج عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، بتصريحات حادة ومباشرة أكد فيها أنه لا يزال يستحضر مشاهد التدافع المأساوي ومحاولات الاقتحام الجماعي بنوع من الصدمة، مجددا تساؤلاته عن الجهات المؤسساتية أو التنظيمية التي تتحمل التبعة الأخلاقية والقانونية عن الأرواح التي سقطت خلال هذه الفاجعة، ومشددا على أن المعطيات الميدانية المتوفرة تجعل ما وقع أمرا غير مقبول وغير مفهوم بصرف النظر عن طبيعة المحركات الداخلية أو الأيادي الخارجية التي قد تكون وقفت خلفه.
هذه المواقف الصريحة جاءت على هامش الدورة الاستثنائية للأمانة العامة للمرجعية الإسلامية، وهو الاجتماع الذي كان مقصودا في الأصل لتدارس قضايا تنظيمة وهيكلية تخص الحزب ومناقشة المستجدات السياسية الراهنة، غير أن الخطورة الاستثنائية لأحداث سبتة فرضت نفسها على جدول الأعمال، حيث استحوذ الملف على الحيز الأكبر من النقاش، واعتبر بنكيران أن ما شهدته المنطقة الحدودية يصنف ضمن قائمة أكثر الوقائع خطورة وتعقيدا في تاريخ المغرب الحديث.
وفي هذا السياق، حرص رئيس الحكومة الأسبق على توجيه مناشدة علنية بصفته الشخصية كمواطن، وبصفته السياسية كقائد حزبي ورئيس حكومة سابق، داعيا إلى صدور تعليمات ملكية سامية تقضي بتشكيل لجنة رسمية لتقصي الحقائق. وتتلخص مهمة هذه اللجنة، بحسب طرحه، في إجراء تحريات عميقة وشاملة تسمح بفك خيوط الملف وتوضيح ملابساته للرأي العام الوطني، معتبرا أن من حق المواطنين الاطلاع على المعطيات الكاملة والحقيقية بعيدا عن التضارب والارتباك الإعلامي الذي رافق الأحداث.
واستحضر بنكيران التفاصيل الميدانية التي عايشها شخصيا يوم 30 يوليوز أثناء تواجد بمدينة تطوان للمشاركة في فعاليات الاحتفال الرسمي بعيد العرش، إذ أشار إلى أنه صدم بمجرد وصوله بحجم التدفقات البشرية غير المسبوقة المتجهة صوب الشريط الحدودي لسبتة. وأكد أن المشهد لم يكن عبارة عن تحركات لفئات فردية أو مجموعات معزولة، بل كان بمثابة سيل بشري جارف تشكل في أغلبيته من فئات الشباب، إلى جانب تواجد لافت للنساء والأطفال وعائلات بأكملها.
ورسم المسؤول الحزبي صورة قاتمة للمشاهد التي عاينها على طول الطريق، مشيرا إلى أن أعدادا كبيرة من الشباب كانوا يواصلون السير أقداما وهم حفاة أو شبه عراة، دون التزود بأدنى المستلزمات الضرورية من ماء أو طعام، وفي حالة من الإصرار على بلوغ الثغر المحتل بصرف النظر عن المخاطر الجسيمة التي تنتظرهم. وأضاف أن هذه الحركة الكثيفة استمرت لعدة ساعات، قبل أن تطوق السلطات الأمنية المنافذ وتغلق المنافذ المؤدية إلى المعبر.
وعبر رئيس الحكومة السابق عن حجم التناقض الوجداني والسياسي الذي عاشه في تلك اللحظات، بين طابع الاحتفالات الرسمية بعيد العرش وبين المأساة الإنسانية والاجتماعية التي كانت تتشكل معالمها على بعد كيلومترات قليلة، مؤكدا أنه ظل يطرح أسئلة عميقة حول الدوافع الحقيقية التي ترمي بمئات المواطنين نحو هذا الهوس والمجازفة بالأنفس في عرض البحر وعلى خطوط الحدود، ومؤكداً أن الظاهرة تتجاوز التفسيرات التبسيطية.
ولم يخف بنكيران التأثير النفسي البالغ الذي أحدثته هذه المشاهد في نفسه، كاشفا أنه فكر بشكل جدي، تحت وطأة الصدمة، في اعتزال العمل السياسي واعتزال الساحة الوطنية، قبل أن يتراجع عن هذا القرار بدافع الواجب الوطني والإحساس بالمسؤولية المؤطرة لموقعه. وأوضح أن الفاجعة تعكس في عمقها فشلاً ممتداً في بناء منسوب الثقة لدى الفئات الشابة وإقناعها بفرص الأمل والعيش الكريم داخل حدود وطنها.
وحول تحديد التبعات وتوزيع المسؤوليات، شدد بنكيران على أن الحكومة الحالية تحمل نصيبا لا ينكر من المسؤولية السياسية والتنموية عما آلت إليه الأوضاع، غير أنه رفض الاستمرار في اختزال الظاهرة في الجهاز التنفيذي وحده، مؤكدا أن الحدث يمس هيكل الدولة بكافة مؤسساتها وأجهزتها، ويتطلب وقفة تقييمية شمولية تشخص الاختلالات العميقة والظروف المباشرة التي أدت إلى انفجار هذا الملف.
كما عرج الأمين العام على الامتدادات الجيوسياسية والأبعاد الخارجية للأزمة، لافتاً إلى أن تطورات سبتة رمت بظلالها على طبيعة العلاقات بين الرباط ومدريد، وتحولت إلى مادة لدينامية نقاش واسع داخل الأوساط السياسية والإعلامية في إسبانيا ومؤسسات الاتحاد الأوروبي. وهو ما يستدعي، حسب تقديره، امتلاك المغرب لرواية رسمية متماسكة ومبنية على حقائق دقيقة تقدم أجوبة شافية ومسؤولة أمام الداخل والخارج.
وجدد بنكيران التأكيد على أن المطالبة بلجنة تقصي الحقائق لم تعد مجرد خيار سياسي بل ضرورة ملحة، بالنظر إلى الكلفة البشرية المتمثلة في تسجيل وفيات وإصابات وحالات فقدان بين المشاركين، مشدداً على أن هذه الوقائع المؤلمة لا يمكن التعاطي معها كحدث عابر أو تجاوزها دون فتح ملف التحقيقات وتحديد مكامن الخلل والجهات المسؤولة.
واختتم بنكيران تصريحاته بنفي أي نية لإشعال الفتنة أو استغلال الملف في الصراعات السياسية الضيقة، مؤكدا أن مسعاه ينطلق بالأساس من الحرص على استقرار البلاد وحماية أمنها الداخلي، وتعزيز ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة عبر مكاشفة صريحة تسلط الضوء على واحدة من أكثر محاولات العبور الجماعي تعقيداً وإثارة للجدل في الآونة الأخيرة.