بين تمويل الأحزاب والتجسس والجبن منتهي الصلاحية.. أي التصريحات تستحق التحقيق؟

أثارت سلسلة من التصريحات السياسية المتلاحقة خلال الأيام الأخيرة تساؤلات واسعة لدى الرأي العام حول معايير تفعيل المتابعة القضائية، بعدما لوحظ تفاوت في طريقة تعامل النيابة العامة مع اتهامات صادرة عن فاعلين سياسيين مختلفين، رغم اختلاف درجة خطورتها على المواطن البسيط.
فقد صرح مصطفى الإبراهيمي بأن أحد الأحزاب استفاد من أموال تجارة المخدرات لتمويل حملته الانتخابية، قبل أن يغادر المنصة دون أن يستكمل كلامه. ولم يمر وقت طويل حتى أصدرت النيابة العامة بلاغا أعلنت فيه فتح تحقيق في هذه التصريحات، مع استدعاء الإبراهيمي للاستماع إليه.
وفي واقعة موازية، صرح محمد أوزين بوجود عمليات تجسس استهدفت هواتف أعضاء من حزبه، وهو التصريح الذي أفضى بدوره إلى بلاغ رسمي من النيابة العامة يفيد بفتح بحث قضائي للتحقق من صحة هذه الادعاءات.
في المقابل، أدلى الوزير السعدي بتصريح يصفه كثيرون بأنه أخطر من التصريحين السابقين مجتمعين، حين تحدث عن شخص ينتمي إلى أحد الأحزاب يقوم ببيع الجبن منتهي الصلاحية للمواطنين المغاربة، أي ما يوصف مجازا بـ”بيع السم” لعموم الناس. ورغم خطورة هذا الاتهام المباشر على الصحة العامة، لم يصدر إلى حدود اللحظة أي بلاغ رسمي عن النيابة العامة يفيد بفتح تحقيق في هذا الملف، وهو ما يطرح تساؤلات مشروعة، فهل فتح تحقيق سري في الموضوع؟ ولماذا لم يصل الفيديو المتضمن لتصريح السعدي إلى الجهات المعنية بالسرعة نفسها التي وصل بها فيديوا الإبراهيمي وأوزين؟ وهل صفة الوزير تمنحه نوعا من الحصانة الفعلية التي تعفيه من المساءلة السريعة؟
ويرى مواطنون عاديون أن هذا التفاوت في التعامل يطرح إشكالا يتجاوز الحسابات السياسية والحزبية. فمسألة تمويل الحملات الانتخابية بأموال مشبوهة، أو التجسس على أعضاء حزب معين، تبقى قضايا تهم بالأساس الأطراف السياسية المعنية والنيابة العامة صاحبة الاختصاص في تطبيق القانون على الجميع دون استثناء. أما تصريح بيع مواد غذائية منتهية الصلاحية، فيمس مباشرة صحة المواطن البسيط وعائلته، وهو ما يجعله، في نظر كثيرين، أولى بالمتابعة العاجلة والشفافة من باقي الملفات.
ويبقى السؤال المطروح اليوم بإلحاح هو من يستحق أن يفتح معه تحقيق أولا بين هذه الملفات الثلاثة؟ ولماذا يبدو أن بعض التصريحات تستدعي رد فعل قضائي سريعا، فيما يظل بعضها الآخر، رغم خطورته المباشرة على السلامة الصحية للمواطنين، في طي الغموض دون أي توضيح رسمي؟ سؤال يظل المواطن البسيط ينتظر جوابا مقنعا عنه، لا مجرد صمت يزيد الشكوك عمقا.