كيف قفز سعر الأغنام إلى 140 درهما في أفضل موسم فلاحي منذ عقد؟

على النقيض تماما من تطمينات وزارة الفلاحة والتنمية القروية التي لا تفتأ تؤكد في خرجاتها الإعلامية على وفرة رؤوس الأغنام وجاهزية العرض لمواجهة طلب عيد الأضحى، كشفت بيانات بورصة الأسعار بمجازر الدار البيضاء عن واقع صادم يضع رواية الوفرة الرسمية في مهب الريح؛ حيث سجلت أسعار الجملة للحوم الأغنام قفزة تاريخية غير مسبوقة بوصولها إلى عتبة 140 درهماً للكيلوغرام الواحد. هذا الرقم القياسي، الذي يعد الأعلى في تاريخ المجازر المغربية، يطرح علامات استفهام حارقة حول مصير ملايير الدراهم التي صرفت من المال العام تحت مسمى دعم الأعلاف وتسهيل الاستيراد، خاصة وأن هذا الانفجار السعري يأتي في موسم فلاحي يصنف ضمن الأفضل منذ عقد، حيث أعادت الأمطار الحياة للمراعي والكلأ الطبيعي، مما كان يفترض معه أن تنخفض تكاليف الإنتاج وتستقر الأسعار بدلاً من تحليقها بعيداً عن القدرة الشرائية للمواطن.
وتشير القراءة التقنية لمسار الأزمة إلى أن وزارة البواري تواجه اليوم مأزقا تدبيريا يتجاوز شماعة الظروف المناخية، إذ تؤكد مصادر مهنية مطلعة أن أصل الداء يكمن في سوء التقدير الاستراتيجي الذي طبع تدبير القطيع الوطني عبر السماح باستنزاف النعاج وذبحها دون قيود، مما أدى إلى تآكل النواة الصلبة للقطيع المغربي وجعل عملية إعادة التكوين تسير ببطء شديد لا يواكب احتياجات السوق. وفي ظل هذا الارتباك، يرى مراقبون أن أموال الدعم العمومي ذهبت في اتجاه واحد نحو كبار المستوردين والمضاربين، دون أن يظهر لها أثر ملموس في أسعار البيع النهائي، مما يعكس فشلا ذريعا في ربط المنح المالية بسقوف سعرية تحمي المستهلك من تجار الأزمات الذين يستغلون غياب الرقابة للتحكم في العرض والطلب وفق منطق الربح الأقصى.
أما ما يحدث اليوم هو النتيجة الحتمية لسياسة الهروب للأمام والاعتماد على حلول ترقيعية عبر الاستيراد بدلا من حماية المنتج الصغير وتحصين القطيع المحلي من الذبح العشوائي، وهو ما يضع الحكومة أمام امتحان مصداقية عسير؛ فإما الاعتراف بفشل استراتيجية التدخل وإعادة النظر في منظومة الدعم، أو الاستمرار في إنتاج خطاب الطمأنة المستمد من تقارير مكتبية لا تجد لها صدى في أسواق تشتعل بلهيب الأسعار تحت أعين المسؤولين، مما ينذر بـ”عيد أسود” على جيوب المغاربة الذين باتوا ضحية لخلل عميق في بنية التوزيع وسوء تقدير رسمي فادح.