ليلة استثنائية بساحة الهديم بمكناس.. الرعاية الملكية والاحتراف التنظيمي يعبران بمهرجان عيساوة إلى مشارف العالمية

شهدت ساحة الهديم التاريخية بالعاصمة الإسماعيلية مكناس، ليلة الأربعاء 22 يوليوز، انطلاقة رسمية باهرة لفعاليات الدورة السادسة لمهرجان “عيساوة: مقامات وإيقاعات”، المقام تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس. وقد تميز حفل الافتتاح بوفود رسمي رفيع المستوى ترأسه عامل عمالة مكناس، برفقة كل من رئيس مجلس جهة فاس-مكناس، ورئيس جماعة مكناس، ورئيس مجلس العمالة ورئيس جماعة المشور الستينية، إلى جانب ثلة من الكبار والقيادات المدنية والعسكرية والأمنية، فضلا عن شخصيات عامة أثثت مشهد المنصة الدولية بباب منصور التاريخي.

وقد عاش الحضور الاستثنائي والجماهير الحاشدة التي غصت بها جنبات الساحة التاريخية ليلة ثقافية وفنية غير مسبوقة، امتزج فيها جلال المكان والرمزية العمرانية لباب منصور بعمق التراث الروحي المغربي الأصيل. وتجسدت العروض الفنية لليلة الأولى في لوحة موسيقية متكاملة سحرت الألباب، حيث تقاطعت نغمات وإيقاعات الحضرة العيساوية الأصيلة مع التوزيع الموسيقي المعاصر والفكر الفني المجدد للفنان أمين بودشار، إلى جانب مشاركات استثنائية لضيوف المهرجان، مما أثمر تجربة بصرية وصوتية حبست أنفاس الآلاف من المتابعين والمحبين لهذا الفن التراثي العريق.

لكن الملاحظ والخبر الأبرز الذي طغى على مشاهد الافتتاح لم يكن فقط السحر الفني أو الحضور الجماهيري القياسي، بل تجلى في القفزة التنظيمية النوعية التي أحدثتها “جمعية مكناس الثقافات” منذ أخذها زمام الأمور وإمساكها بدفة تدبير هذا الحدث الثقافي البارز. فالفرق بين تنظيم الأمس وما تشهده دورة اليوم بدا للعيان كالفارق بين الهواية والاحتراف، حيث نجحت الجمعية في وضع حد عريض لمظاهر العشوائية أو الاضطراب التي كانت تشوب المنصات والمسالك في محطات سابقة، لتحل محلها منطقا تنظيما صارما وحكامة ميدانية دقيقة شملت كل صغيرة وكبيرة في هندسة الفضاء العام.

وتجلت هذه اللمسة التنظيمية المتميزة في إعادة هيكلة الممرات وتدفقات الجماهير بشكل سلس يضمن أقصى درجات الأمان والانسيابية، مع اعتماد نظام صارم للولوج يمر حصريا عبر منافذ ومسارات محددة نحو المقاعد المخصصة للجلوس، وهو ما حال دون الاكتظاظ وسمح للوفد الرسمي والضيوف والمواطنين بمتابعة العروض في ظروف تحترم كرامة الشارع والجمهور وتليق بهيبة تظاهرة تقام تحت الرعاية الملكية السامية. كما امتدت هذه الاحترافية لتشمل الجانب اللوجستي والتقني، من خلال تجهيز المنصة الدولية لأحدث نظم الصوت والإضاءة المعتمَدة في المهرجانات الكبرى، فضلا عن إدارة الإعلام والتواصل والتوجيه الميداني بفريق عمل منظم ومؤهل يشتغل بروح الفريق الواحد.

ولم يغير هذا التحول الهندسي والتنظيمي الباهر فقط من وجه المهرجان بصريا، بل أعاد صياغة موقعه وهويته في الساحة الثقافية الوطنية والدولية. فقد أثبتت “جمعية مكناس الثقافات” عبر هذا النموذج الاحترافي أن المهرجان لم يعد مجرد احتفالية محلية أو موسمية عابرة، بل تحول بثبات ليضع لنفسه موطئ قدم راسخ إلى جانب كبريات المهرجانات الدولية الشهيرة بالمملكة، وفي مقدمتها مهرجان “موازين” بالعاصمة الرباط ومهرجان “الموسيقى الروحية” بمدينة فاس.

هذا التميز التنظيمي والتألق الفني يحمل في طياته أبعادا تنموية وثقافية أعمق، إذ يكشف عن القدرة الكبيرة للتراث الروحي والشيخ الهادي بنعيسى على التموقع كرافعة أساسية للتسويق المجالي والجذب السياحي للعاصمة الإسماعيلية. لقد وجه مهرجان عيساوة في دورته السادسة رسالة قوية ومفادها أن الرؤية المؤسساتية النيرة والتنظيم الاحترافي المحكم هما الكفيلان بتحويل التراث الشفهي واللامادي إلى واجهة حضارية مشرفة، تكرس مكانة مكناس كعاصمة روحية وفنية قادرة على احتضان وتدبير أكبر المهرجانات العالمية بكل اقتدار وتميز.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *