مكناس تنتفض ضد “فراقشية المجازر”.. المهنيون يؤهلون المرفق والجماعة تساند معركة نيل الاعتماد

تخوض المجزرة الجماعية بمدينة مكناس تحولا مفصليا حاسما يمس بشكل مباشر الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي لأكثر من خمسمائة أسرة تعتمد في قوتها اليومي على هذا المرفق الحيوي، حيث تتجاوز القضية حدود تحديث منشأة عمومية بسيطة لتلامس معركة وجودية ضد مخططات تهدف إلى سحب البساط من المرفق العمومي وتضييق الخناق عليه لصالح جهات تسعى إلى تحويل هذا القطاع نحو الخصخصة القسرية. وتعتبر مجزرة مكناس معلمة قائمة بذاتها بالنظر إلى تاريخ تأسيسها الممتد منذ سنة 1947، كما تصنف كواحدة من أجود المنشآت على مستوى جهة فاس مكناس من حيث الطاقة الاستيعابية والبنية التحتية، غير أن الشروط والضوابط التي فرضها القانون رقم 28.07 المتعلق بالسلامة الصحية للمنتجات الغذائية وضعت هذا المرفق أمام حتمية التأهيل الشامل لنيل الاعتماد الرسمي من المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية.

وأمام هذا الرهان المعقد، فطن المهنيون الممثلون في جمعية الإخلاص لبائعي اللحوم الحمراء وجمعية الإصلاح والتحدي إلى الخطر الداهم الذي يتهدد مصدر عيشهم، فرسخوا خيار المبادرة والصمود عبر توقيع اتفاقية شراكة سنة 2019 ملحقة بتعديلات وإجراءات تنفيذية صريحة، حيث تجند المهنيون لضخ استثمارات ذاتية بلغت زهاء مليار ونصف المليار سنتيم لتأهيل المنشأة وتجهيز مبرد اللحوم وفق المعايير القانونية وإصلاح الإسطبلات وقاعات الذبح وتوفير آليات الضخ والصيانة والدفع بأجور العاملين، فضلا عن الالتزام بأداء إتاوات مالية مباشرة لخزينة الجماعة عن كل رأس يتم ذبحه. وفي المقابل، اقتصرت التزامات جماعة مكناس على الجوانب المتعلقة بتزفيت الممرات الداخلية وتبليط الإسطبلات واستكمال المساطر الإدارية الكفيلة بالحصول على التراخيص والاعتماد الصحي.

وقد جاءت الزيارة الميدانية الأخيرة التي قام بها رئيس مجلس الجماعة مكناس العباس الومغاري يوم الخميس 3 شتنبر الجاري للوقوف الفعلي على مدى وفاء الشركاء بتعهداتهم، لتكشف عن جاهزية المرفق واستيفاء الجمعيتين لكافة البنود التقنية والمادية التي تقررت في الاتفاقيات ومحاضر الاجتماعات الرسمية. وتضع هذه المعاينة الميدانية الجماعة أمام مسؤوليتها التاريخية والإدارية لاستكمال حصتها من الأشغال وتسريع إجراءات تقديم الملف للمكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية، خاصة وأن تجارب مدن أخرى كبلدية جرادة أثبتت أن نيل الاعتماد ممكن جدا متى توفرت الإرادة والإجراءات المسؤولة، رغم أن إمكانيات جرادة لا تقارن بالبنية الضخمة والجودة المتوفرة بمجزرة مكناس.

وتستند مخاوف المهنيين والشارع المحلي بمكناس إلى سيناريوهات قاتمة شهدتها مدن مغربية متعددة مثل بوسكورة وبني ملال وبركان والمحمدية وسيدي سليمان مول الكيفان، حيث تم تهميش المجازر البلدية وإغلاق بعضها بحجة غياب الاعتماد الصحي، لتفسيح المجال أمام مجازر خاصة تتحكم في المادة الحيوية وتفرض شروطها على السوق. وهنا تنكشف حقيقة العبث والازدواجية الإدارية التي خلقتها “بدعة الاعتماد”، إذ كيف يعقل قانونيا وعلميا أن يختم الطبيب البيطري التابع لنفس المؤسسة الرسمية (ONSSA) اللحوم داخل المجزرة البلدية والمجزرة الخاصة بنفس الخاتم الذي يؤكد سلامتها وصلاحيتها الكاملة للاستهلاك، ثم تمنع لحوم المجزرة البلدية من دخول الفنادق والأسواق الكبرى والصفقات العمومية لمجرد غياب رمز رقمي؟ إنها ازدواجية صارخة تحول الاعتماد من أداة تقنية لضمان الجودة إلى حظر تجاري غير معلن ومطية لوأد المرفق العمومي.

اليوم يعتبر ما قامت به جمعيتا المهنيين بمكناس من ضخ استثمارات ضخمة واستيفاء كافة الشروط التقنية والصحية يعد استحقاقا كاملا لنيل الاعتماد دون أي تسويف أو مماطلة، حيث أصبحت مجزرة مكناس نموذجا يفرض نفسه ويسقط كافة الذرائع الواهية التي اعتاد اللوبي الراغب في الخصخصة التستر خلفها.

لقد انفضحت خطط “فراقشية المجازر” وسقطت أقنعتهم أمام الوعي الميداني والتكافل المستميت للمهنيين، حيث اتضح أن الهدف لم يكن يوما تجويد سلامة اللحوم بقدر ما كان مسعى واضحا لصناعة احتكار متكامل لسلسلة التوريد والتحكم في أسعار اللحوم والسيطرة على قوت المواطنين.

وتشكل الاستجابة السريعة والوعي المبكر لمهنيي مكناس بوجود هذه المؤامرة المحبوكة ضد المجازر البلدية، واتخاذهم خطوات استباقية جريئة للقطع مع سياستها، ملهمة ونبراسا حقيقيا لجميع المهنيين في مختلف مدن المملكة. على اعتبار أن النموذج الميداني الذي أرساه مهنيو مكناس يمثل خارطة طريق وقاعدة اشتباك حقيقية يمكن أن يسير على نهجها الممارسون في المجازر البلدية عبر التراب الوطني، لتشكيل سد منيع يكسر أطماع الخصخصة ويوقف قطار التشريد الذي يسعى لفرض واقع جديد بذريعة “الاعتماد” لصالح أرباب النفود و”فراقشية المجازر”.

ومن هذا المنطلق، تشكل معركة نيل الاعتماد بمجزرة مكناس حصنا أمنيا واقتصاديا يضمن استمرار الخدمة العمومية، ويحمي السيادة الغذائية والقدرة الشرائية للساكنة من جشع المحتكرين، ويقطع الطريق على محاولات فرض الحصار على اللحوم البلدية، ويؤمن الاستقرار الاجتماعي للمئات من الأسر المشتغلة بهذا القطاع الحيوي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *