غياب لافت لملف دعم “البوطا” والسكر والدقيق عن البرامج الانتخابية رغم زيادة جديدة في الأسعار

في وقت تتسابق فيه الأحزاب السياسية على رفع سقف وعودها الانتخابية، وتتنافس في عرض برامج تتحدث عن تحسين الدخل ودعم القدرة الشرائية وتقليص الفوارق الاجتماعية، يلاحظ غياب واضح لأحد أكثر الملفات ارتباطا بيومي المغاربة عن هذا الخطاب الانتخابي، ويتعلق الأمر بمستقبل دعم المواد الأساسية، وفي مقدمتها غاز البوتان والسكر والدقيق.

وتعيد الزيادة الأخيرة في ثمن قنينة “البوطا” طرح هذا السؤال بإلحاح، ليس فقط بسبب تأثيرها المباشر على ميزانية الأسر المغربية، بل أيضا لأنها تضع الأحزاب السياسية أمام ملف سبق باشرته الحكومة الحالية على مراحل متعددة، قبل أن يتراجع حضوره تدريجيا في النقاش العمومي والسياسي، خاصة مع اقتراب موعد الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.

ويعود ملف “البوطا” إلى الواجهة بعدما كان قد انطلق منذ سنوات في إطار مسار إصلاح منظومة الدعم، حيث تم الإعلان عن توجه يقضي بالرفع التدريجي للدعم عن المواد المستفيدة من صندوق المقاصة، وعلى رأسها غاز البوتان والسكر والدقيق. وفي أكتوبر 2023، تم تقديم تصور واضح يقضي برفع سعر قنينة الغاز الكبيرة بشكل تدريجي، من 40 درهماً إلى 50 درهما خلال سنة 2024، ثم إلى 60 درهما في 2025، وصولا إلى 70 درهما بحلول سنة 2026.

ورغم دخول المرحلة الأولى من هذه الزيادات حيز التنفيذ فعليا، فإن المسار تعثر عند محطته الموالية، إذ كانت الزيادة الثانية مبرمجة في وقت سابق، قبل أن يتم حجبها في ظل سياق سياسي واجتماعي حساس، تزامن مع موجة الاحتجاجات المعروفة بـ”جيل زد”، والتي رفعت مطالب مرتبطة بالقدرة الشرائية والخدمات الاجتماعية.

ويطرح هذا التعثر سؤالا محوريا يتعلق بالجهة التي ستتحمل مسؤولية استئناف رفع الدعم بعد الانتخابات، ما دامت الحكومة الحالية قد أرجأت استكمال هذه الزيادة، علما أن الاستحقاق الانتخابي لا يلغي هذا الملف، بل يؤجل فقط اتخاذ قرار الحسم فيه، ذلك أن كلفة دعم المواد الأساسية لا تتلاشى بمجرد تأجيل الزيادة، بل يستمر تحمل الدولة لجزء من الفارق القائم بين الأسعار الحقيقية للمواد وأسعار بيعها للمستهلك النهائي.

ولا يقتصر هذا الإشكال على مادة “البوطا” فقط، بل يمتد ليشمل مادتي الدقيق والسكر اللتين ما زالتا تستفيدان بدورهما من منظومة الدعم، رغم أن الحكومات المتعاقبة سبق لها أن أعلنت، منذ سنوات عديدة، عن توجهها نحو إصلاح صندوق المقاصة والرفع التدريجي للدعم عن هذه المواد، مع ربط هذا التوجه بتوسيع برامج الدعم الاجتماعي الموازية.

وتكمن المفارقة الأساسية في أن الأحزاب السياسية، رغم تسابقها على تقديم وعود انتخابية للمواطنين، لا تضع هذا الملف في صدارة برامجها الانتخابية، فبينما تتنافس الخطابات الحزبية على الحديث عن تحسين مستوى المعيشة ورفع الأجور وخلق فرص الشغل وتعزيز الطابع الاجتماعي للدولة، يظل السؤال المتعلق بمستقبل أسعار الغاز والدقيق والسكر غائبا عن هذا الوضوح نفسه، تاركا معه تساؤلات معلقة حول استمرارية الدعم ومدته، والجهة التي ستتحمل كلفته مستقبلا، وما إذا كانت الحكومة المقبلة ستمضي في استكمال مسار رفع الدعم، أم ستعيد النظر فيه بشكل جذري.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *