قضاة “العدوي” يستعدون لافتتاح ملف صفقات المراكز الصحية بجهة فاس مكناس وسط اختلالات كارثية

تستعد هيئة قضاة المجلس الأعلى للحسابات لمباشرة مهمة افتحاص واسعة تستهدف شبكة مؤسسات الرعاية الصحية الأولية بجهة فاس مكناس، في ظل تساؤلات متزايدة حول اختلالات هندسية وتقنية طالت عددا من الصفقات المرتبطة بإعادة تأهيل المستوصفات والمراكز الصحية بمختلف أقاليم الجهة.
وتشمل هذه الصفقات عشرات المؤسسات الصحية التي عهد بتنفيذ عدد من أوراشها إلى الوكالة الوطنية للتجهيزات العامة، برصد اعتمادات مالية بلغت عشرات المليارات من السنتيمات، وهو ما يجعل مهمة الافتحاص، في حال انطلاقها فعليا، مفتوحة على ملفات دقيقة تتعلق بكيفية إنجاز الأشغال، ومدى مطابقة المنشآت للمواصفات التقنية المطلوبة، إضافة إلى ظروف تسلمها ووضعها رهن إشارة المصالح الصحية المعنية.
ويأتي هذا التحرك في وقت تعيش فيه المندوبيات الإقليمية لوزارة الصحة والحماية الاجتماعية بالجهة حالة استنفار واضحة، عقب توجيه مراسلة استعجالية من طرف المديرية الجهوية للصحة بفاس، استنادا إلى تعليمات صادرة عن المفتشية العامة للوزارة منتصف غشت الماضي، دعت خلالها المندوبين الإقليميين إلى استكمال وتجهيز استمارات تدقيق مفصلة ورفعها إلى لجان التفتيش قبل منتصف الشهر الجاري.
وتكشف معطيات ووثائق متوفرة أن ورش تأهيل مؤسسات الرعاية الصحية الأولية بالجهة ما يزال يعرف تعثرات لافتة، بحيث لم يدخل حيز الخدمة الفعلية سوى 189 مؤسسة صحية فقط من أصل 310 مراكز كانت مبرمجة ضمن مخطط التأهيل، فيما لا تزال أوراش أخرى تشهد تأخرا في الإنجاز أو صعوبات مرتبطة بوضعية المنشآت بعد الانتهاء من الأشغال.
وتحتل عمالة مكناس مكانة خاصة ضمن المناطق التي تثير وضعية مراكزها الصحية علامات استفهام كبيرة، بعدما خصص لبرنامج تأهيل ما يزيد عن 40 مركزا صحيا حضريا وقرويا غلاف مالي ناهز 12 مليار سنتيم. وكشفت عمليات معاينة أعقبت تسلم عدد من هذه المنشآت عن اختلالات وصفت بالكارثية والمخيبة للآمال، شملت عيوبا تقنية وهندسية في بعض البنايات، إلى جانب مشاكل طالت شبكات الماء والكهرباء والتطهير السائل.
ولا تقتصر تداعيات هذه الاختلالات على البنية العقارية للمراكز الصحية وحدها، بل تمتد لتطرح مخاوف جدية بشأن سلامة الأطر الطبية والتمريضية والمرتفقين على حد سواء، إضافة إلى المعدات البيوطبية والتقنية التي تم اقتناؤها لفائدة هذه المؤسسات، والتي قد تكون عرضة للتلف في حال استمرار المشاكل المرتبطة بالبنيات الأساسية والتجهيزات.
وتظهر محاضر ووثائق مرتبطة بصفقات عمومية حجم الاعتمادات الضخمة التي رصدت لعمليات التأهيل بعدد من أقاليم الجهة، من بينها فاس ومكناس وتازة والحاجب، في مقابل استمرار طرح تساؤلات حول مدى تناسب الكلفة المالية لهذه الأشغال مع النتائج المحققة فعليا على أرض الواقع.
ومن بين الصفقات اللافتة التي تستدعي التوقف، الصفقة رقم 21 لسنة 2024، التي تجاوزت قيمتها 19.6 مليون درهم، وشملت عدداً من المراكز بمكناس، من بينها عين كرمة وتولال ووسلان وسيدي عبد الله الخياط ومراكز أخرى بدواوير مجاورة، إضافة إلى صفقات أخرى بملايين الدراهم همت مراكز واد الرمان وعين تاوجطات، والمركز المرجعي للصحة الإنجابية بفاس، والمركز الصحي الحضري بتاهلة.
وعلى الرغم من ضخامة الاعتمادات المرصودة، لم يمنع ذلك استمرار عدد من مظاهر التعثر، إذ تفيد معطيات متوفرة بأن بعض المنشآت التي أُعلن عن انتهاء الأشغال بها تم تسلمها رغم استمرار نقائص تمس شروط الاستغلال، فيما لا تزال مراكز أخرى مغلقة أمام المواطنين رغم الإعلان الرسمي عن انتهاء أشغالها.
ومن المرتقب أن ينصب افتحاص قضاة المجلس الأعلى للحسابات، في حال انطلاقه فعليا، على عدد من الملفات المرتبطة بهذا الورش، وفي مقدمتها محاضر التسليم الموقعة بين مسؤولي الوكالة الوطنية للتجهيزات العامة والمديرية الجهوية للصحة، ومدى مطابقة ما تم تسلمه فعلياً مع واقع البنايات والتجهيزات الطبية والمكتبية المبرمجة ضمن هذه الصفقات. كما يُنتظر أن تشمل عمليات التدقيق عينات من المراكز الصحية بمكناس، من بينها دار أم السلطان والصخيرات وسيدي سليمان والمهاية والإسماعيلية وجبابرة ووجه عروس والازدهار، إضافة إلى مستوصفات أولاد سليم وبوعسل، مع البحث في أسباب استمرار إغلاق بعض المراكز وعدم دخولها الخدمة الفعلية رغم مرور وقت طويل على انتهاء أشغالها.
ولا تبدو الاختلالات المرتبطة بالبنايات والتجهيزات سوى جانب واحد من صورة أشمل، إذ تطرح وضعية الموارد البشرية بدورها إشكالات حقيقية، في ظل تسجيل نقص واضح في الأطر الطبية والتمريضية بعدد من المؤسسات، مع الاستعانة أحيانا بالعمل الجزئي للأطباء والممرضين، إضافة إلى معطيات تشير إلى فترات انقطاع أو نفاد لأدوية ومستلزمات طبية أساسية ببعض المراكز، امتدت أحياناً لأشهر متواصلة خلال سنة 2025.
وينتظر كذلك أن يمتد التدقيق إلى مستوى جاهزية البنية الرقمية المرتبطة بنظام المعلومات الصحي، ومدى قدرة المؤسسات التي جرى تأهيلها وتجهيزها على الاشتغال وفق المتطلبات الجديدة للمنظومة الصحية الرقمية.
وفي انتظار انطلاق عمليات التدقيق والتفتيش، تترقب الأوساط الصحية بالجهة نتائج هذه المهمة، خاصة أن افتحاصا شاملا لملفات التأهيل والصفقات ومحاضر التسليم من شأنه أن يعيد إلى الواجهة سؤالاً أكبر يتعلق بمدى قدرة الاعتمادات المالية الضخمة المرصودة على إصلاح مؤسسات الرعاية الصحية الأولية على الترجمة الفعلية إلى منشآت جاهزة لاستقبال المواطنين وتقديم الخدمات الصحية التي يُفترض أن تؤديها.