أعداء النجاح بمكناس.. كيف تحاول النفوس المريضة طمس توهج مهرجان عيساوة ونهش دينامية المدينة؟

المستقل | فؤاد السعدي

في الوقت الذي تستعيد فيه العاصمة الإسماعيلية عافيتها الثقافية، وتتزين ساحاتها لاستقبال حدث عالمي يعيد إليها هيبتها وجاذبيتها، تبرز على السطح حركة معاكسة تقودها بعض الأصوات النشاز عبر منصات التواصل الاجتماعي. وهي أصوات لم تعد تخفي احترافها لمهنة التبخيس وتسفيه كل مجهود تنموي، وكأنها تتغذى بالأساس على نشر التيئيس وإحباط كل حركية إيجابية تشهدها المدينة.

ولعل الغريب في الأمر أن هذه الممارسة أضحت تشكل ظاهرة مكناسية بامتياز، تنفرد بها العاصمة الإسماعيلية عن بقية المدن المغربية، بحيث تتصدى هذه الفئة لكل مبادرة خلاقة بالغمز واللمز، مستدعية في كل محطة أسطوانة النقل الحضري أو مشاكل البنية التحتية وغيرها. وهو خلط مقصود ومكشوف بين تحديات تدبيرية موضوعية تبذل السلطات جهودا حثيثة لمعالجتها، وبين مكتسبات ثقافية وسياحية تكسب المدينة إشعاعا مستحقا وترفع اسمها في المحافل الوطنية والدولية.

وتكمن السطحية التي يتعامل بها أصحاب هذا الفكر السوداوي في عجزهم عن فهم الأدوار المركبة للتظاهرات الثقافية، فالمهرجان ليس مجرد غناء أو منصة فرجة، بل هو صناعة مناصب شغل مؤقتة، وانتعاشة قياسية للقطاع غير المهيكل، ولتجار القرب، وأصحاب الفنادق والمطاعم وسيارات الأجرة. لأن النقل الحضري والخدمات ذات التماس اليومي لا تتم معالجتها بإلغاء الثقافة، بل إن الإيرادات والدينامية الاقتصادية التي تخلقها المهرجانات هي التي ترفع القيمة الاستثمارية للمدينة وتغذي ميزانيتها الترابية.

ومما يثير الحسرة حقا، أن مدنا مجاورة كفاس والرباط ومراكش والصويرة تتكاتف فيها النخب والفعاليات والساكنة لتثمين تظاهرات كبرى مثل “موازين” أو “الموسيقى الروحية” أو “مهرجان كناوة”، باعتبارها أدوات جلب استثماري ورافعات سياحية تعود بالنفع المباشر على الساكنة. وفي المقابل، تصر هذه النفوس السوداوية المريضة بمكناس على الوقوف في الضفة الأخرى، عاجزة عن تقديم أي إضافة، ومتفرغة فقط لمهاجمة كل نجاح، حتى لو أشعلت لها المبادرات الجادة الأصابع شمعا لتضيء عتمة أفكارها.

وتظهر هذه الظاهرة حالة سوسيولوجية غريبة يمكن تسميتها بسيكولوجية الإحباط المكتسب، ففي الوقت الذي تطورت لدى بعض الفئات رغبة لا إرادية في بقاء مكناس في الهامش لشرعنة شكواهم اليومية، نجد نفوسا تسوؤها الرؤية السليمة، لأن نجاح التظاهرات يجردها من عقيدتها الوحيدة المتمثلة في البكاء على الأطلال. إنه إفلاس أخلاقي يقتات على إظهار العيوب، ويرى في كل إنجاز تهديدا لخطابه سوداوي المنشأ.

وتنجلي حقيقة هذا الفكر الهدام عند الوقوف على مسار مهرجان عيساوة، فهذا الحدث التراثي المتميز كان قد شيع إلى مثواه الأخير، ودفنت آثاره لسنوات تحت ركام الإهمال والعشوائية، إلى أن جاء عامل عمالة مكناس عبد الغني الصبار ليخرجه من غياهب النسيان، ويبث فيه الروح من جديد برؤية ترابية حكيمة تسعى لخلق علامة فارقة للمدينة، تتكامل مع القفزة التنظيمية واللوجستية المحترفة التي صاغتها جمعية مكناس الثقافات.

ما يجهله اصحاب البؤس الفكري، هو أن خوض معركة التسويق المجالي لا يتم عبر البكائيات، بل من خلال خلق الهوية والرمزية العالمية. فكما أن مراكش تعرف ببهجتها ومهرجاناتها، والرباط برصانتها الثقافية، فإن العاصمة الإسماعيلية عبر مهرجان عيساوة تصنع علامتها التجارية الروحية الخاصة، وهي نقطة الجذب الأولى لأي مستثمر أو سائح أجنبي يبحث عن مدينة حية ونابضة بالتاريخ وليس مدينة مقبرة.

غير أن هذه الحقائق الميدانية تصطدم بجهل عارم يطل به أصحاب هذا الطرح على منصات التواصل الاجتماعي، حيث يطلقون العنان لشؤمهم دون دراية بالأثر الاقتصادي والمجالي لهذه التظاهرات في تنشيط الدورة الاقتصادية، وتحريك الفنادق والتجارة المحلية، وتسويق الصورة الحضارية لمكناس. إنها حقيقة مؤلمة تكشف عن مرض نفوس لا يسرها رؤية المدينة تتحرك بثبات في مختلف القطاعات، ويؤلمها أن ترى نجاحا يبنى بإرادة صادقة.

اليوم لم يعد مسموحا للنخب المكناسية والفعاليات المدنية الشريفة أن تقف موقف التفرج أو الحياد الصامت أمام هذا النزيف الإعلامي والافتراضي، على اعتبار أن حماية الدينامية التنموية والمكتسبات الميدانية المقترنة بجهود السلطات المحلية والجمعيات الجادة أضحت واجبا مواطنا يتطلب ردع ثقافة التبخيس بالدليل والبرهان، وتفويت الفرصة على كوابح التنمية التي تريد إبقاء مكناس رهينة الماضي.

وبالتالي، لا يكون الرد الأمثل على هذا النزيف الفكري إلا بتثمين المجهودات الميدانية والتصدي لثقافة التبخيس، على اعتبار أن مكناس اليوم بحاجة إلى التلاحم حول ديناميتها الجديدة، ليظل النجاح الباهر لمهرجان عيساوة القوة الميدانية الحقيقية التي تدحض أقاويل أعداء النجاح، وتؤكد أن قطار التنمية بمدينة مكناس قد انطلق ولن تتوقف عجلة إشراقه لإرضاء هواة البكاء على الأطلال.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *