سفريات برلمانية مكلفة تحت غطاء “الدبلوماسية الموازية” تثير انتقادات واسعة تزامنا مع شهر رمضان

تحول شهر رمضان، الذي يفترض أن يكون شهر عبادة وعمل، إلى موسم للسياحة الدبلوماسية بامتياز، حيث تسابق نواب الأمة على حجز مقاعدهم في رحلات مكوكية جابت عواصم أوروبا وأمريكا. هذه الهجرة البرلمانية الجماعية تحت غطاء الدبلوماسية الموازية تثير تساؤلات حارقة حول مدى جدوى هذه السفريات المكلفة التي تغرف ميزانياتها من جيوب دافعي الضرائب، في وقت تئن فيه خزينة الدولة تحت وطأة أزمات اقتصادية تفرض التقشف وترشيد الإنفاق.

ولم يجد هؤلاء النواب حرجا في تحويل المهام الوطنية إلى مادة للاستعراض الرقمي؛ إذ تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحة للمباهاة بصور البرلماني السائح في نيويورك والعواصم الأوروبية، في مشهد يكرس صورة ذهنية سلبية لدى المواطن حول ريع الانتداب البرلماني. هذا التهافت على السفر يكشف عن خلل في تدبير الشأن البرلماني، حيث تسيطر وجوه بعينها على رحلات الدرجة الأولى نحو الوجهات الجذابة، بينما يتم ترضية الفرق الصغرى بفتات من كعكة السفريات لضمان الصمت والتواطؤ الجماعي.

وما يثير الاستغراب هو غياب العوائد الدبلوماسية الملموسة لهذه الجولات؛ فالمملكة تمتلك دبلوماسية رسمية قوية ومحترفة، بينما تظل تحركات البرلمانيين في الغالب مجرد علاقات عامة أو رحلات ترفيهية بصبغة رسمية، تفتقر إلى تقارير أداء واضحة أو نتائج مؤثرة في ملفات السياسة الخارجية. ويستدعي استغلال يافطة الدبلوماسية الموازية لتبرير التبذير المالي تدخل أجهزة الرقابة والمحاسبة لفرض معايير صارمة تربط السفر بالنتائج المحققة لا برغبة النائب في تغيير الأجواء.

وفي الضفة الأخرى، اختار فريق ثان من النواب الاستجمام الروحي عبر الاعتذار عن المهام الرسمية للتوجه إلى الديار المقدسة لأداء مناسك العمرة، في استقالة جماعية عن الدور التشريعي والرقابي خلال هذا الشهر. هذا المشهد يضعنا أمام برلمان فارغ من محتواه في ذروة الأزمة، حيث يتوزع أعضاؤه بين سياحة الغرب وعبادات الشرق، تاركين ترسانة من القوانين والملفات الاجتماعية العالقة تنتظر جلسات أبريل المقبل، وكأن مصالح المواطنين يمكن تأجيلها بانتظار عودة السياح والمعتمرين إلى كراسيهم المريحة تحت قبة البرلمان.

إن استمرار هذا النزيف المالي والزمن السياسي يفرض ضرورة إقرار “ميثاق أخلاقي” يمنع تحويل المؤسسة التشريعية إلى وكالة سفر، ويجبر النواب على تقديم كشوفات حساب دقيقة حول ما حققوه للمملكة مقابل كل درهم صُرف على تذاكر طيرانهم وإقاماتهم الفاخرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *