في اختبار الفيضانات.. سياسة “البوط” تنتصر على شرعية “الصندوق” وتكشف عورة التدبير المنتخب

المستقل _ هيئة التحرير
يضعنا المشهد الميداني الذي أفرزته الفيضانات الأخيرة أمام حقيقة سياسية لم تعد تقبل التأويل، حيث تجلت بوضوح هيمنة الإدارة الترابية على زمام المبادرة، مقابل تراجع مخجل لمؤسسات المنتخبين التي بدت عاجزة عن مسايرة إيقاع الأزمة. ولعل جولة الوالي محمد اليعقوبي، وهو يقطع الكيلومترات مشيا على الأقدام بـ “بوطه” الميداني، لم تكن مجرد إجراء تقني لتفقد نهر سبو، بل كانت بيانا مرئيا يكرس سطوة “التعيين” في تدبير اللحظات الحرجة، تزامنا مع غياب تام لأصحاب الوعود الانتخابية الذين اعتادوا الظهور في المهرجانات الخطابية وتواروا عن الأنظار حين ارتفع منسوب المياه.
وعلى الرغم من الميزانيات الضخمة والصلاحيات الواسعة التي تتمتع بها المجالس الجماعية، إلا أن زلزال الفيضانات كشف هشاشة البنية التحتية التي يشرف عليها هؤلاء المنتخبون، مما دفع وزارة الداخلية إلى استرجاع مفاتيح التدبير الميداني بشكل كامل. وهو ما جعل أم الوزارات تتحرك بمنطق التعليمات الصارمة، حيث لم يتردد عبد الواحد لفتيت في قطع عطلات كبار المسؤولين الترابيين وإعادتهم من الخارج لمواجهة الأزمة، في خطوة تعكس الانضباط العسكري للإدارة الترابية، مقابل الترهل الذي أصاب مؤسسات المنتخبين التي وجدت نفسها خارج التغطية وسط برك المياه الآسنة.
في السياق ذاته، يبرز تكليف الوالي خالد الزروالي بملف القصر الكبير كإعلان رسمي عن إفلاس النخب المحلية في تلك المدينة، إذ كيف يمكن لمسؤول منتخب أن يقنع الساكنة بجدوى وجوده، وهو الذي ظهر في وضعيات استرخاء مثيرة للسخرية بينما تتولى السلطات المعينة إقامة الخيام وتدبير الإيواء؟ ومن هنا، يتضح أن الفوارق لم تعد تقتصر على الصلاحيات فقط، بل امتدت لتشمل العقيدة المهنية؛ فبينما يرى الوالي نفسه جنديا في حالة استنفار دائم، يرى المنتخب منصبه تشريفا ينتهي بمجرد إغلاق مكاتب التصويت.
علاوة على ذلك، فإن نجاح الإدارة الترابية في احتواء غضب الساكنة عبر التدخل المباشر للقوات المسلحة الملكية والوقاية المدنية، زاد من حدة التساؤلات حول جدوى الديمقراطية المحلية في صيغتها الحالية. وبدلا من أن تكون الجماعات الترابية خط الدفاع الأول عن المواطن، تحولت إلى عبء ثقيل يحتاج بدوره إلى إنقاذ من طرف العمال والولاة، مما يكرس فكرة الدولة الراعية التي تتدخل لترميم ما أفسده التدبير الحزبي القائم على الحسابات الضيقة والانتهازية السياسية.
وتأسيسا على ما سبق، يظهر أن “سياسة البوط” قد انتصرت في معركة الشرعية الميدانية، تاركة “شرعية الصندوق” تتخبط في أوحال الفشل. فالمواطن الذي يرى الوالي يقطع 15 كيلومترا وسط الأخطار لتأمين حياته، لن يكترث مستقبلا لبرامج أحزاب لا تتقن سوى لغة الاستغماض والهروب إلى الأمام. وهكذا، يسدل الستار على فصول هذه النكبة بحقيقة مرة وهي أن الدولة قوية برجالاتها المعينين، وضعيفة بمؤسساتها المنتخبة التي أثبتت أنها مجرد ظاهرة صوتية تغرق في أول اختبار حقيقي للمطر.