زلزال صامت يضرب العمالات.. المفتشية العامة تضع رؤوس إدارات في مرمى التحقيق وتطارد الصفقات المشبوهة

فوزي يقود جولات ميدانية في صمت لكشف اختلالات الصفقات العمومية وتطهير أقسام تقنية تحوم حولها شبهات الفساد

شرعت المفتشية العامة للإدارة الترابية بوزارة الداخلية، بقيادة الوالي محمد فوزي، في تنفيذ جولات ميدانية هادئة إلى عدد من العمالات والأقاليم التي شهدت مؤخرا تعيين عمال جدد، في مقدمتها سيدي قاسم وشفشاون، تمهيدا لزيارات لاحقة ستشمل الحسيمة، أزيلال، زاكورة، الفحص أنجرة، تازة وتاونات.

وتأتي هذه التحركات، وفق معطيات دقيقة، في إطار مرحلة جديدة من الرقابة الميدانية الدقيقة التي باشرتها وزارة الداخلية لتطويق مظاهر سوء التدبير والتلاعب في الصفقات العمومية، وهي خطوة التي تم وصفها داخل أوساط الوزارة بأنها “تطهير إداري هادئ” يسبق موجة من القرارات التأديبية المنتظرة في الأسابيع المقبلة.

جدير بالذكر أن هذه الزيارات لا تحمل طابعا تفتيشيا تقليديا بقدر ما تعكس تحولا في منهجية المراقبة، إذ لا تقتصر على مراجعة الوثائق المالية فحسب، بل تمتد إلى الاستماع المباشر إلى رؤساء الأقسام التقنية وأقسام الصفقات العمومية، خصوصا أولئك الذين تحوم حولهم شبهات تلاعب أو تجاوزات مرتبطة بـ”نسب غير قانونية” في منح بعض المشاريع.

مصادر من إحدى عمالات جهة الرباط – سلا – القنيطرة كشفت أن موظفا نافذا بقسم الصفقات العمومية تم استدعاؤه على وجه السرعة للتحقيق، إلى جانب مهندس يشغل منصبا تقنيا حساسا، يشتبه في تلقيه عمولات مئوية من مقاولين مقابل تمرير صفقات محددة، وهو ما اعتبرته الوزارة “انحرافا خطيرا عن قواعد الشفافية والنزاهة الإدارية”.

وطالبت الإدارة المركزية لوزارة الداخلية توضيحات رسمية من العمالة المعنية عقب تقارير إعلامية سابقة كشفت عن طرق غير قانونية في تمرير بعض الصفقات، ووصفتها بأنها “تحويل للمشاريع العمومية إلى مصالح خاصة”، فيما تشير المعطيات إلى أن تقريرا سريا تم توجيهه مباشرة إلى الدوائر العليا في الوزارة قد يطيح برئيس قسم بارز متهم بإقصاء مقاولين رفضوا الخضوع لشروط “ابتزاز غير معلن”.

وفي عمالات أخرى، خصوصا تلك التي شهدت إعفاءات أو تعيينات جديدة، بدأت تظهر ملامح تنظيف إداري واسع، ففي إحدى العمالات التي تم اعفاء عاملها مؤخرا، كشفت التحقيقات تورط رئيس قسم المبادرة الوطنية للتنمية البشرية في صفقات مثيرة للشبهات، بتنسيق مع مسؤول نافذ داخل العمالة نفسها، في وقت لا تزال فيه أحياء الصفيح قائمة رغم صرف ميزانيات ضخمة يفترض أنها خصصت لمحاربة الهشاشة.

أما في عمالة سيدي قاسم، فقد تمكنت المفتشية من رصد تواطؤ واضح بين موظفين ومقاولات محظوظة حازت على حصة الأسد من الصفقات العمومية، وهو ما أسفر عن إعفاء رئيسة قسم كانت مقربة من العامل السابق الذي تمت الإطاحة به في وقت سابق، في سياق ما وصفته مصادر داخلية بـ”موجة تصحيح إداري مرتقبة”.

مصادر مقربة من المفتشية العامة أكدت أن هذه الجولات ليست تحركا معزولا، بل جزء من مخطط إصلاحي أوسع تشرف عليه وزارة الداخلية لإعادة الانضباط المالي والإداري داخل المصالح الترابية، ووقف نزيف الفساد الذي أضعف ثقة الدولة في بعض النخب المحلية.

وينتظر أن تتوج هذه الجولات برفع تقرير تركيبي مفصل إلى الوزير عبد الوافي لفتيت، يتضمن توصيات مباشرة تتعلق بإعادة هيكلة بعض الأقسام الحساسة، وإحالة ملفات أخرى على المجلس الأعلى للحسابات وربما القضاء المالي، في خطوة قد تعيد رسم خريطة المسؤولية داخل الإدارة الترابية.

اليوم الرسالة واضحة، وهي أن الزمن الإداري الجديد لا يحتمل الإفلات من المحاسبة، ومن كان بالأمس يظن أن الصفقة “مضمونة”، فقد يجد نفسه اليوم أمام مساءلة دقيقة تعيد تعريف الولاء الذي سيصبح ولاء للشفافية لا للمصالح.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *