فؤاد السعدي يكتب.. “فرحي يا طنجة العمدة عاد تفْكَرْ يتواصل”

خرجة مفاجئة للعمدة تُشعل مواقع التواصل.. هل هي صحوة متأخرة أم حملة انتخابية مُقنّعة؟

في خطوة وُصفت بالسريالية من طرف عدد من المتابعين المحليين، أطل عمدة مدينة طنجة أخيراً على سكان المدينة بعد غياب طويل، من خلال فيديو ترويجي تم نشره على الصفحة الرسمية للجماعة، يعلن فيه عن مبادرة تواصلية بعنوان، “طنجة تسمعكم… اسألوا العمدة الآن”، مرفقة بهاشتاغ “سياسة القرب”، ودعوة مفتوحة للمواطنين من أجل طرح الأسئلة والتعبير عن الآراء والمقترحات عبر منصات التواصل الاجتماعي. غير أن هذه الخرجة التي كان من المفترض أن تُقابل بالترحيب، تحوّلت إلى مادة للسخرية، ليس فقط بسبب توقيتها المشبوه، ولكن أيضاً بسبب مضمونها وأساليب إخراجها.

فعمدة طنجة، الذي لم يُعرف عنه أي تفاعل فعلي مع قضايا المدينة الكبرى منذ بداية ولايته، اختار هذه المرة أن يظهر في ثوب المسؤول المنفتح، المتواضع، القريب من هموم الناس، متحدثاً بنبرة ودودة عن أهمية التواصل والتفاعل مع المواطنين. لكن السؤال الذي طرحه كثير من الطنجاويين هو، “فين كان هاد التواصل طوال ثلاث سنوات؟”، ولماذا لم يتذكر العمدة وجود المواطنين إلا مع اقتراب الاستحقاقات، وفي وقت يعرف فيه الشارع الطنجي غلياناً متزايداً بسبب مشاكل النقل، والنظافة، والاكتظاظ، وتعثر الأشغال، وتدهور الفضاءات العامة؟

خرجة العمدة، التي تم تقديمها وكأنها فتح جديد في مسار التدبير المحلي، افتقرت إلى أدنى درجات المصداقية، حسب المتابعين، إذ لم تُبنَ على تراكم سابق، ولا جاءت تجاوباً مع مطالب أو احتجاجات حقيقية، بل بدت كأنها محاولة لالتقاط صورة مع “الرأي العام” في آخر لحظة، دون الاستعداد لسماع ما قد لا يُعجب. فالمنصات التواصلية ليست آلية لتلقي التصفيق، بل هي فضاء حرّ للنقد والمساءلة، وهنا مربط الفرس، لأن من يُغلق باب مكتبه طيلة الولاية، لا يمكنه أن يقنع الناس بأنه فتح باب “المنصات الرقمية” من باب الشفافية.

فتوقيت هذه المبادرة فهمه عدد كبير من المواطنين على أنه تحضير لما هو انتخابي أكثر مما هو تواصلي. فأن تتذكر وجود الساكنة فجأة، ولا يُفترض أن يكون حدثاً استثنائياً يُروَّج له بفيديوهات وإعلانات، بل هو واجب دائم لمن يتقلد منصب عمدة واحدة من أكبر مدن المملكة. والمثير أن هذا الظهور أتى بعد أشهر من الصمت، وبعد ملفات متراكمة فشل المجلس الحالي في تدبيرها، سواء تعلق الأمر بتأخر الأشغال في طرق المدينة، أو غياب رؤية واضحة لتطوير الخدمات، أو حتى محدودية التواصل المؤسساتي طيلة السنوات الماضية.

وعلق عدد من النشطاء على هذه الخرجة بعبارات لا تخلو من سخرية، حيث كتب أحدهم، “سيدّي العمدة ظهر أخيراً، ولكن بحسابات التواصل لا بحسابات الشارع”، بينما اعتبر آخر أن “الهاشتاغات لا تحل الأزمات، ومقاطع الفيديو لا تُصلح الطرق”. وبينما يروج العمدة لمبادرة “طنجة تسمعكم”، فإن الواقع يشهد أن العكس هو الحاصل، فكم من شكاية أُرسلت دون جواب، وكم من دعوة للحوار أُهملت، وكم من صوت طنجاوي صرخ دون أن يجد من يسمعه!

الغريب في الأمر أن المبادرة الترويجية استخدمت عبارات مثل “اسألوا، اقترحوا، عبّروا”، في الوقت الذي يعلم فيه الجميع أن صفحة الجماعة نفسها تُمارس الحظر وحذف التعليقات، وأن أغلب الانتقادات يتم تجاهلها أو الرد عليها بتعالي. فكيف لعمدة لم يظهر منذ شهور، أن يقنع الناس فجأة بأنه مصغٍ لهم؟ وأي “سياسة قرب” هذه التي لا تُمارس إلا عبر شاشات الهواتف وبشكل انتقائي؟

المشكل الحقيقي ليس في المبادرة الشكلية، بل في مضمونها وتوقيتها ورسائلها الضمنية، إذ بدل أن يعترف العمدة بضعف تواصله، أو يفتح نقاشاً جاداً مع مختلف الفاعلين، اختار أسلوب “الفيديو الترويجي”، الذي لا يمكنه بأي حال أن يغطي على سنوات من التسيير الغامض، والقرارات المفاجئة، والتعالي عن الحوار.

وما على العمدة أن يعرفه هو أن السياسة لا تُمارس بالمنشورات، ولا تُقاس بعدد اللايكات، بل تُبنى على المصداقية، والتفاعل الحقيقي، والجرأة في الاعتراف بالأخطاء، وما دام العمدة يفضل التواصل من وراء الكاميرات، بدل النزول للميدان، فإن مبادرته هذه ستبقى مجرد حلقة أخرى من مسلسل الاستهتار السياسي الذي تعرفه المدينة، حيث يُختزل التواصل في دعاية، ويُستبدل القرب باللافتات، وتُختصر الديمقراطية في مونتاج فيديو.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *